كتاب

لا يصحُّ الا الصحيح

يفترض ان تكون الصحافة شاهد صدق, أو مراقباً محايداً نزيهاً لعمل العاملين في المؤسسات, حكومية كانت أم مدنية, وأن تكون, في بعض جوانبها ذات دور تعليمي وتربوي وثقافي, بل إن هذا الدور هو الاكثر اهمية اليوم, إذ لم يعد الناس – في ضوء التقدم التقني وتطور وسائل الاتصال – يعوّلون على الصحافة في معرفة ما يجري في العالم, فهم يشاهدونه اولاً بأول ويتابعونه في كل دقيقة من ليل أو نهار.

على أن ما ينبغي ان يكون ليس بكائن, لما نراه من أن مندوبي الصحف في المؤسسات قد انتهى بهم الامر الى أن يكونوا مندوبي المؤسسات في الصحف, أو الفضائيات أو وسائل الاعلام المختلفة, وقد تأدّى ذلك الى تقديم صورة غير حقيقية لواقع المؤسسات أو الى الادلاء بشهادة مجروحة عنها..

أما الدور الثقافي للصحف ووسائل الاعلام فقد اصبح أثراً بعد عين, وغلبت برامج الثرثرة على الشاشة الصغيرة, كما غابت الاقلام القوية عن الصفحات الثقافية. واستولت الشللية, والحوزات الايديولوجية على مؤسسات الثقافة, أو غلب عليها التسطيح والمداهنات.

ولقد أمكن, في غياب النقد, أن تتفشى الزيوف والبهارج وأن يختلط الحابل بالنابل, وأن يبلغ فساد الحياة الادبية مداه الاقصى, مع وهم واهم بأن ليس في الامكان أبدع مما كان وبأن لنا قصب السبق في العالمين.

حال مربكة لن نخرج عنها من قريب, ولعلها أن تكون في مجملها انعكاساً لهزيمة روحية تعيشها الامة وتبلو مراراتها.

على أن الاعتراف بذلك لا يعني قبوله أو السكوت عنه أو الاستيئاس من دفعه, فثمة فينا عقل لم يستقل, وذائقة لم تتشوّه وخلق ما يزال مستمسكاً بالعروة الوثقى. وكل اولئك مجتمعاً مانع من انخذالنا أمام الفساد بل دامغ له وكاشف لوهنه ولضعف الاسس التي يقوم عليها.

ثم إنه لا يصح الا الصحيح, ولا يصبر في مواجهة الزائف من الاشياء إلا الأصيل.