يا لله لأهل الموصل كم أصابهم البلاء، وكم زلزلوا قديماً وحديثاً. وكم اختلف عليهم السفّاحون فأعملوا التقتيل فيهم. ولعل مما يُدمي القلب أن نقرأ في «نهاية الأرب» للنويري أن امرأة عربية ألقت شيئاً من سطح منزلها وقع على رأس أحد الخُراسانيين، فظنها فعلت ذلك تعمداً، فاقتحم الدار وقتل أهلها، فثار أهل البلدة، فقتلوه وثارت الفتنة التي قُتِلَ فيها الزاهد العابد معروف بن أبي معروف الذي أدرك كثيراً من الصحابة، وروى عنهم، كما يقول النويري. وكان من وقائع ما جرى لأهل الموصل ان نودي فيهم أن من دخل الجامع فهو آمن ثم قُتِل فيه عشرون ألفاً أو أكثر، ثم لم يكتف القاتلون بذلك بل ازمعوا قتل النساء والصبيان ثلاثة أيام متتالية، وكان في العسكر الذي اقتحموا الموصل أربعة آلاف زنجي، فأخذوا النساء قهراً ولما كان اليوم الرابع بعد هذه المذبحة التي تعرض لها أهل الموصل (وكان ذلك سنة اثنتين وثلاثين ومئة للهجرة) ركب يحيى ابن محمد وبين يديه حراب الخراسانيين وسيوفهم مصلتة، فاعترضته امرأة عربية واخذت بعنان دابته، فأراد الخراسانيون قتلها فنهاهم فقالت له: أما تأنف (وانت العربي) للعربيات المسلمات ان ينكحهن الزنج؟.
ولا نريد أن نمضي في تتبع أخبار «الموصل» فهي موزعة في «مروج الذهب» للمسعودي، وفي «الكامل في التاريخ» لابن الاثير، وفي «معجم البلدان»، لياقوت، وفي «الأخبار الطوال»، لأبي حنيفة الدينوري. وان المرء ليخرج من هذه المادة التاريخية الغزيرة بان جغرافية الموصل او موقعها بين العصبيات المتطاحنة والقوى المتصارعة قد جعلها عبر تاريخها، متجددة الكلوم، وذلك لما تقلّب عليها من رياح السياسات، أو «لما نَسَجتها من جنوب وشمأل» على حد قول الشاعر، فما ان يندمل جُرحٌ فيها حتى ينكأ من جديد، وذلك في الآماد المتطاولة، حتى ليصح أن نسميها «مدينة الأحزان»، وأن نسأل الله سبحانه، لا سواه من هنا الخَلْق مشتبِك اللّبانات والأهواء، أن لا تقوم فيها مذبحة جديدة.
لقد سبق وقتل في «الموصل» آلاف مؤلفة من العرب، وهدم سورُها مراراً، ونُقِضت قصورُها وأُخذ أهلها بالسيوف جيلاً بعد جيل، وانتهكت الأعراض فيها، وذلك تحت رايات مختلفات، وبألوان مُعجبَةٍ من التعِلاّت والحماقات، أفما آن لمدينة الأحزان هذه أن تعرف شيئاً من السلام أو أن تهدأ بعض الوقت أو يكف عن استباحتها الطغام؟.
كلامٌ نتمنى أن يصل إلى ذوي الأحلام بعد أن رفعناه، مشفوعاً بالرجاءِ إلى ربّ الأنام..
«الموْصل»: مدينة الأحزان
12:00 1-8-2016
آخر تعديل :
الاثنين