سهام ملكاوي - هل يمكن تحويل سؤال الفاروق الخالد «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرارا؟» الى صيغة اخرى عصرية تحافظ على روحية السؤال الاستنكارية «لماذا عبدتم انفسكم وقد خلقكم الله احرارا، فمنحكم حرية الاختيار؟».
وبالعودة الى عنوان هذه المداخلة، فان الحرية والنفاق ضدان لا يلتقيان. فالحرية حكم موضوعي، قائم على اختيار المواقف والآراء والأحكام، بما يتلاءم مع المنطق والانسجام واحترام الذات والموضوع في آن واحد.
احترام الذات من حيث هي مصدر الحكم، واحترام الموضوع الذي اصدر عليه الحكم، بوصفه قادرا على مقارنة الحكم مع امكاناته الذاتية. فكلما كان الحكم ملائما منسجما مع هذه الامكانات، تضمن ذلك احترام الموضوع، الذي هو موضوع الحكم في هذه المداخلة. بينما اذا كان الحكم مفارقا لامكانات المحكوم عليه، كان الأمر اقرب الى السخرية والهزل، كأن نقول ان شارون هو الاولى بجائزة نوبل للسلام عن ادائه العبقري خلال الاعوام الثلاثة الماضية! وان بوش هو راعي الحرية والديمقراطية في العراق وافغانستان وسائر اقطار العالم!
من هنا فان المنافق، اذا ما تتبعنا التسلسل المنطقي للفكرة هو شخص معتد، ينتهك ذاته بتعريضها للكذب والادعاء. وينتهك ذات الآخر، موضوع النفاق، لانه انما يوظفه موضوعا للسخرية والتهكم والاستغفال.
ويتضح هذا اذا ما تتبعنا اصل كلمة النفاق الاشتقاقي والذي يشير الى معان عدة لا تتصل مباشرة بالمعنى الحرفي للكلمة، وهو الكذب او مفارقة الصفة للموصوف، او الادعاء بمعنى مفارقة الاقوال للافعال. فالفعل الثلاثي للكلمة نافق هو نفق، بمعنى نفذ او مات، وتستخدم للحيوان دون الانسان. وسائر الاستخدامات للكلمة مع تغيير حركة احرفها تشير الى معاني النفاذ والانتهاء، وموت البهائم او بمعنى الممر ذو الصيغة الخاصة المستخدم عبر الجبال او الادعاء، او ستر ما في النفس واظهار خلافه. ربما كان هناك صلة ما، لم يتطرق لها احد من اللغويين، بين هذا المعنى الأخير والأصل الاشتقاقي للفعل!!
ويرى بعض الدارسين للتراث العربي، ان مصطلح النفاق هو مصطلح اسلامي، اذ لم يعرف استخدامه في نصوص العرب قبل الاسلام، سواء في الشعر الجاهلي او فيما وصلنا من نصوص واقوال وخطب، ذلك ان الكلمة استخدمت لأول مرة في القرآن الكريم.
وقد وردت كلمة نافق بمختلف اشتقاقاتها في معظم سور القرآن الكريم وتكررت (37) مرة بينما حملت السورة رقم (63) اسم (المنافقون)، الأمر الذي يدل على خطورة هذا الداء وأثره في حياة الناس ودمار المجتمعات وأصل الفساد.
لقد ساوى القرآن الكريم بين المنافقين والمشركين والكفار. ولعنهم الله وأخرجهم من رحمته ووصفهم بالكذب والادعاء وبالتظاهر بالإيمان، في حين يبطنون الكفر، وبأنهم يقولون مالا يفعلون، ووصفهم بالكفر والفسوق والعصيان. ولهذا أصبحت صفة النفاق سبة في التراث العربي والاسلامي، يتجنبها التقي الورع خجلا من الله ومن نفسه. ويتجنبها رجل المجتمع حرصا على سمعته وهيبته.
كان هذا في ما مضى من زمن الورع الحقيقي والرجولة الحقة، زمن الأقلام الحرة العصية على الخنوع والانكسار. لكن حال الأمة تغير، وشاع الضعف والقهر والشعور بالدونية تجاه الآخر، خاصة وان لهذا الآخر خصوصيته الثقافية وطروحاته المختلفة.
او ليست الدونية مبررا منطقيا لممارسة مهارة النفاق؟ او ليس للآخر تصوراته الخاصة من خلال تبريراته الدبلوماسية والبراجماتية لمختلف أشكال النفاق المعاصرة؟
ولكن لا ينبغي تحميل الآخر اوزار الفساد القائم على النفاق والذي اصبح خصيصة عربية عامة، وبتصنيفات مختلفة وكأن ضريبة العصرنة ان يكون هناك مثقفو السلطة وصحفيوها واعلاميوها وفقهاؤها.. الخ.
وللحق فان ادبيات الآخر تحقر المنافقين وتزدري من ابتلي بهذا الداء، فهذا هومر يقول «كم احتقر الرجل الذي يقول خلاف ما يضمر». ولا تكاد اية مسرحية من مسرحيات شكسبير تخلو من اشارة او اخرى الى هذه الآفة.
يقول فرانسيس بيكون: «ان الكافر الحقيقي هو المنافق الأكبر. وان الرجل السيء، انما يكون في اكثر حالاته سوءا عندما يتظاهر بانه قديس». بينما يقول او سكار وايلد «لو تظاهرت بالخبث، في حين كنت في حقيقتك فاضلا فأنت حتما منافق».
ونتفق مع وليام هازلت بأن «النفاق هو افضل تثمين للحقيقة، ذلك ان البراعة في الكذب انما هي الاعتراف الاقوى بسطوة الحقيقة». ويقول جون ديوي «ان الفوضى وعدم الاخلاص، هي نتائج حتمية لسلوك الناس بشكل مناقض لمعتقداتهم ومنظومتهم الرمزية».
ولكن كما يقول صامويل جونسون «فانه ما من احد يكون منافقا باختياره».
اذن ما الذي يدفع المرء الى النفاق؟
ان شكل النفاق الأكثر شيوعا في عالمنا العربي هو التملق بمختلف اشكاله، ابتداء من التملق للمسؤول، وحتى التملق السائد او المتسيد، خاصة للآخر المتفوق القوي حد التغطرس احيانا.
وللتعرف على الطبيعة السيكولوجية للمنافق، لا بد من عبور دهاليز الشخصية الانسانية، والتي وان اختلفت التيارات السيكولوجية في تفسير بنيتها، الا انها تتفق جميعها حول اهمية التوازن في حياة الفرد والجماعة. فكلما وفرت البيئة للفرد مناخا آمنا لا يشعره بالتهديد والخوف، ومكنته من التعبير الصريح عن نفسه كلما جنبته تعدد الأوجه، وجنبته اللجوء الى الاساليب غير السوية في التعامل مع الواقع.
يرى فرويد رائد التحليل النفسي ان حالة السواء هي في توازن عناصر الشخصية، التي تتم عبر مراحل نمو صحية توفرها البيئة المحيطة بكل عناصرها الداخلية والخارجية، والتي ان فشلت، اضطربت الشخصية واضطرت الى اللجوء الى ما يسميها آليات الدفاع النفسي او الحيل الهروبية، والتي منها التعويض والاسقاط والتبرير، بما تتضمنه هذه العمليات من كذب او ادعاء، تعكس شخصية مضطربة تعاني من الكبت والقلق وعدم الشعور بالأمان.
وكلما استقرت الشخصية مع النمو والتقدم الطبيعي في العلم والثقافة فانها تستبدل تلك الآليات البدائية باساليب اكثر نضجا وفعالية في التعامل مع الواقع والبيئة المحيطة. وهنا يعمد الفرد كما يرد فرويد الى ازاحة الطاقة المختزنة المقترنة بتلك العمليات، ويكرسها للعمليات الثانوية للأنا، والمقبولة اجتماعيا. لكن قد لا يحدث هذا بالضرورة فمن الشخصيات من تثبت عند التجاوب البدائي اذا ما كان هناك خلل ما، فيبقى الفرد اسير خبراته اللاشعورية.
ويختلف (يونج JUNG) مع فرويد حول حتمية هذا الاسر اذ ان الانسان برأيه مسؤول عن خياراته، وله دور في تقرير مصيره. الا ان ضغوط الحياة الاجتماعية تحول الذات الى شخصية (مقنعة) ترفض كثيرا من ذاتها الحقيقة، وتبني قوانين جديدة للذات غير حقيقية، قد تبرر المحرمات احيانا. وان التعبير الحر سواء في الفن او الادب او الفكر عموما، وحتى في الحياة اليومية، الذي يمكن الافراد من الافصاح عن مشاعرهم وقناعاتهم الذاتية، هو ما يحقق للفرد ان يمارس ذاته الحقيقية دون اقنعة. بينما يرى Adler ان لكل فرد منهجه الفريد في التعامل مع العالم المتغير بمعطيات جديدة دائما، الامر الذي يتطلب شخصيات دينامية فعالة.
وفيما اذا فشلت كونت ما يسميه بمركب النقص او تقدير الذات المنخفض.
او ليس تقدير الذات المنخفض هو مولّد النفاق بامتياز؟!
يقول تحليلي آخر (موراي) «أصبح طبيعيا لدي ان اتلقى انطباعات عن الرغبات والمآسي والافتراضات التي تكمن وراء افعال واحاديث من اقابلهم، فبدلا من ان أرى مجرد اميركي انيق في سترة رجل الأعمال، يذهب الى مكتبه ويعود منه كالفأر في المتاهة، مجرد جهاز طفيلي متحرك من الافعال المنعكسة والأنماط الجامدة والشعارات، مجرد حزمة من الاتساقات والانطباعات والولاءات لهذه المؤسسة او تلك. بعبارة اخرى مجرد انسان آلي».
ويؤكد ليفين Levin وهو صاحب اتجاه مختلف تماما عن الاتجاه التحليلي على فكرة التوازن ويرى ان الشخصية الانسانية تسعى من خلال عملياتها النفسية المختلفة الى الوصول بالذات الى حالة توازن تنسجم مع النظام الطبيعي العام للكون، والتي يسبب انعدامها حالة من عدم تساوي التوتر داخل النظم المختلفة للشخصية، الامر الذي يؤدي الى تسرب هذا التوتر عن طريق النشاط القلق غير المستقر، فيعمد الفرد الى استعادة التوازن عن طريق القيام بتحرك مناسب في البيئة النفسية باتجاه موضوع ما مشبع للهدف.
لا يمكن في مجال كهذا استعراض كافة النظريات والآراء السيكولوجية والتي تعرضت للتكوين النفسي للفرد، لكن يمكن استخلاص العام والمشترك، بل المتفق عليه بين اصحاب الاتجاهات المختلفة، التي تقر بان النفاق انما هو داء واسلوب بدائي في التعامل مع واقع قمعي يفقد الشخصية قدرتها على تحقيق توازنها ويسلبها حرية التعبير بل حرية التفكير فتلجأ الذات الى التقنع والتملق والادعاء.
ولا شك اننا هنا بصدد نمطين من انماط الشخصية الأول هو المنافق والثاني هو موضوع النفاق. اما الاول فهو كيان مضطرب فاشل في التكيف، يحمل مفهوما متدنيا للذات، فلا يصونها ولا يرتفع بها عن الكذب والتدليس. وهو من ناحية اخرى أناني جشع يسعى الى استغلال موضوع النفاق للوصول الى منافعه الذاتية. وهو بهذا يستعبد ذاته ويمتهنها ويستعبد موضوع النفاق بتسخيره لاغراضه وبغوايته بايهامه بما ليس فيه، مع ما يترتب على ذلك من فتن، ذلك ان النفاق مرتبط اشد الارتباط بالنميمة.
أليس هذا هو مدخل الفساد وباب الهوى؟ ألا توحي بيئة النقاق باللا سواء؟ ألم يصفهم تعالى بانهم اخوان الشياطين؟ «في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون