ستبقى في كل صناعة آثار من نشأتها الأولى، ومهما تقلبت عليها الاحوال فان هذه الملامح الباقية من اصل النشأة ستظل قائمة، واكثر ما يكون ذلك في صناعة السينما، اذ لن تنفك هذه الصناعة وفيّة لاصحابها الاوائل، على الرغم مما قد يذهب الظن اليه من كونها في خَلْقٍ جديد بحسب البيئات التي امتدت اليها، فعلى كثرة ما يتردد من ان السينما الهندية والسينما المصرية والسينما الايرانية قد اتخذ كل منها سمتاً خاصاً وملامح مختلفة عن السينما الغربية في شتى أفرُعِها، الا ان مخرجي هذه «السينما الشرقية» لا يعدون ان يكونوا تلاميذ (نجباء او اغبياء) للاتجاهات الغربية في الذائقة الفنية والاخراج واساليب تحريك الكاميرات وغير ذلك مما يتعلق بالدراما السينمائية التي تسيطر اليوم على ألباب كمٍ بشري هائل يمتد من اندونيسيا شرقاً الى المغرب الأقصى غرباً.
لقد حرص الغرب على تشجيع السينما في قاعدتي الشرق: مصر والهند، وصارت صناعة السينما هي الطريق الأرحب التي تأتي منها قيم الغرب وأنماط سلوكه، وأصبح الفنّ – عن هذه الطريق – هو موضع المحاكاة على عكس نظرية المحاكاة الأرسطية، فصار الناس في الشرق المتخلف الذاهل يقلدون أسلوب حياة الغربيين، وصار للكاميرا (آلة التصوير السينمائي) والتي يُظن انها آلة محايدة دور مشهود في توجيه العقول والأذواق، وفي توطئة الأنفس لقبول الأنموذج الغربي بما هو الانموذج الامثل الذي ينبغي احتذاؤه، وكان من نتيجة ذلك، بتراخي العقود (إذ مضى على نشوء السينما المصرية والهندية اكثر من مئة عام)، أن وقر في اخلاد الشعوب الشرقية المقهورة ان تقليد الغرب الغالب هو منجاتها مما هي فيه من تخلف، نجد ذلك واضحا في معظم الافلام المصرية والهندية (ويمكن القياس على ذلك في غير هذين البلدين) كما نجده في الدراما التلفزيونية العربية والتركية، حتى ليمكن القول إن السينما الشرقية عموما (وكذلك الدراما التلفزيونية) قد نجحت فيما اخفق فيه الاستعمار المباشر في تحقيق غزو ثقافي مطبق، يأتي هذه المرة من الداخل، وبطريقة غيير مباشرة، تماماً على نحو ما اراد «نابليون بونابرت» حين ارسل الى خليفته في مصر «كليبر» يطلب اليه تشجيع حركة التمثيل فيها ليتعرف المصريون الى عادات الفرنسيين ويتأثروا بها، كما يطلب تسفير مئتي مصري ليدرسوا في فرنسا ثم ليعودوا فيكونوا حزب فرنسا فيها.
لقد تحقق لنابليون ما أراد من اثر الدراما في المصريين، كما تحقق للبريطان ما أرادوا من اثر الدراما في القارة الهندية، والنتيجة ان مصر والهند اصبحتا مركزين لترويج الأنموذج الغربي الثقافي، وذلك يؤكد ما ذهبنا اليه ابتداء من ان ملامح النشأة الاولى لأية صناعة ستظل عالقة بها، وأن مقلدي هذه الصناعة لا بُدّ ان يظلوا في دائرة تأثير الواقع الحضاري الذي نجمت فيه.
فاذا زدنا على ذلك ما يُراد لشعوب الشرق على اختلاف ثقافاتها من ذهول ذاهل، ومن الدوران في مدى محدود لا تتجاوزه، سواء أكان ذلك في مضمار العلم ام في مضمار الثقافة (ولا يغرّنكم هذا – المسموح به – من بعض التجاوزات المحسوبة بدقة)، فان بنا أن نرى الى الدور الخطير الذي تقوم به هذه الدراما المخدرّة للارادات والعقول في شرقنا المسطول، وان نُحذّر من مغبتها، إنْ كان ثمة من يسمع او يعقل او يستبصر.
دراما مخدّرة للإرادات والعقول
10:45 30-7-2016
آخر تعديل :
السبت