كتاب

مظاهر الفرح المزعجة

نصاب «بالفرح « ولكن لا نفرح مع سيل «الزوامير « والأصوات المزعجة وحركة السيارات العشوائية والاحتفال في الشارع العام والحي وإطلاق الألعاب النارية في المساء وساعات الليل لمناسبة التخرج مثلا أو النجاح والزفاف ومناسبات أخرى من السهرات الصاخبة ونصاب بالدهشة لحجم ما ينفق دون طائل وما ينفق دون مبرر وما ينفق هباء ويكفي لسد رمق أكثر من عائلة وفي أكثر من حي ومنطقة جغرافية.

ترى هل من تفسير لمظاهر الفرح المزعجة ؟ وكيف ينقلب الشعور مع أهل الفرح الى سخط عليهم نتيجة المبالغة في فرض « الفرح « سواء باعتراض موكب العرس أو الحفلة للشارع وإغلاق مدخل من الحارة وإقامة منصة للاحتفال والعديد من مراسم الاحتفال العشوائية.

نصاب بالفزع من حجم « المكبوت « في داخلنا والذي يظهر مع جميع المناسبات سواء تلك السعيدة أو الحزينة على حد سواء؛ فلا اعتدال في التعبير عن الفرح والحزن ولا توازن بين ما ندخره وننفقه على السعادة وحتى نعرف في أحيان كيف نفرح بحق أو نعبر عن مشاعرنا برفق ولين وعمق وصدق ومباشرة.

نحتار في ترتيبات الجاهة والدعوات والضيافة مع أن عقد القران تم وكافة التفاصيل تمت الموافقة عليها وبالتالي أصبحت الإجراءات الأخرى مجرد مظاهر فقط لا غير وليست ضرورية ابدا ، وكذلك نحتار في أمر ترتيبات الجنازة والدفن وبيت العزاء والتكاليف الأخرى والتي لم ينص عليها الشرع أو يقرها في حالات عديدة.

بعد التصفيق والاحتفال وانتهاء المراسم ننسى التوقف قليلا للتدبر في ما بعد الخضم وعقب النهاية وكم من مشهد نتناقض فيه مع أنفسنا حين نؤيد وبعد ذلك نعارض وبشدة العديد من المواقف التي نتخذها دون مبرر سوى التسجيل ونتعارض بين ما ننادي به من قول وبين نقوم به من فعل والمراوحة بين الرفض والقبول والخسارة الفادحة بعد فوات الأوان لتحقيق ما نصبو إليه ونطمح.

حين نشكو من الفقر ونكتشف تكلفة حفلة عرس أو خطبة أو تخرج نحتار فعلا من الإنفاق ولو «بالدين « على مظاهر تستمر لساعات وبعدها تذوب وتتلاشى مع اللحظات المسرعة من عمر الزمن، فهل نكبح جماح التبذير والاهتمام بالمظاهر ؟

بدائل عديدة يمكن التفكير بها للتعبير عن (فرحنا وترحنا) ببساطة وصدق ومباشرة ودون إزعاج للآخرين ومنها اختصار العديد من بنود الإنفاق والتبذير والاهتمام بالجوهر وتحديدا مع موسم الصيف وازدحام مناسبات الأعراس وعدم الاهتمام ب «حكي الناس « ورضاهم الذي يصعب تحقيقه.

مع ارتفاع متطلبات المعيشة ومعدلات البطالة والفقر، نحتار من تصرفات فئة ليست قليلة في المجتمع والتي تعيش مع تراكم القروض والديون والأقساط والكمبيالات وتعيش في مهب الريح كل شهر وكل مناسبة وتشكو من ثم من صعوبة المعيشة...وتعيش أجواء مظاهر الفرح المزعجة طويلا.

استذكر وثيقة السلط الشعبية ، تلك المبادرة الرائدة والتي نحتاج الى مثلها هذه الأيام والمراحل التي نعيشها ، علها تساهم في تخفيف العبء عن الجميع ، والتخفيف يكون بالاختصار ما أمكن أو إلغاء المظاهر المزعجة نفسيا وماديا...علينا التفكير جديا في مضمون ذلك حتى لا نتعب أكثر وأكثر... فيبدو واضحا انه لا متسع اخر للصبر أكثر على الإزعاج فقد أرُهق كل من الجسم والفؤاد وأصبحنا لا نفرق طعم الفرح الحقيقي بتاتا !.