كتاب

صمت الحكيم

للكتابة دوافع, أولها في زمن الناس «المال» وآخرها «المبدأ» وما بينهما يتماوج طيف من رغائب الانفس يذكّرنا بما قيل قديماً من أن «اشعر الناس الاعشى اذا طرب والنابغة اذا رهب».

من اجل ذلك يسهل امر الكتابة على طالبي المال وعلى اهل الرغائب, ويصعب على اصحاب المبادئ ممن يدركون خطورة الكلام وعظيم شأنه في الأنفس والعقول.

ثم إن الكلام المكتوب في الصحف كالخطبة الملقاة في اصناف الناس, ينبغي مراعاته لمقتضى الحال وللزمن المتاح له, ولطبيعة المخاطبين به, وإن مما يذكر في هذا الباب قول أحد الزعماء الفرنسيين انه اذا طلب اليه ان يخطب في دقائق قليلة انشغل في ذلك اياماً معدودات, وان طلب اليه ان يلقي خطبة طويلة ارتجلها ارتجالاً دونما تحضير.

على أن في حكماء الامم من اوتي جوامع الكلم, ومن يملك الاتيان بالمعاني الجمّة في اوجز الاقوال. ومن لا يتغير هذا النهج منه بتغيّر الاحوال.

وإذ نعود الى ما بدأنا به من «دوافع الكتابة» فإننا نؤكد أنه لا يدفع الى فضول القول مما لا ينفع الناس الا أسباب متعلقة بضعف الأنفس وشهواتها وغياب حاكم العقل أو حاكم الخلق او غيابهما عنها معاً.

ولقد يبلغ اليأس بصاحب المبدأ أن يقول بما قاله ابوالعلاء المعري:

وماذا يبتغي الجلساء من

ارادوا منطقي وأردت صمتي

وذلك لا يكون في اعتقادي الا اذا بلغ الفساد درجة يقرّب عندها الجهلاء ويبعد - أو يدفع - المصلحون الناصحون فيكون حالهم كحال من يقول:

امرتهم امري بمنعرج اللوى

فلم يستبينوا الرشد الا ضحى الغد

فساعتئذ يكون لصمت أبي العلاء معنى, وإن كثر في الخلق الثرثارون المتفيهقون.