كتاب

حول مقال «النهضة.. فكرة وعبرة» للحسن بن طلال

الأمير الحسن بن طلال شخصية عالمية فذة جمعت المجد من أطرافه علماً وثقافة.

في شخصه يتكامل المثقف والسياسي في التجربة والرؤية. حكيم إذا ما تحدث ضليع إذا ما كتب أو حاور. سعى ويسعى إلى مد جسور التواصل بين الأديان والحضارات في التقريب بين أصحابها إيماناً منه بأن هناك مشتركات إنسانية تجمعهم، وهدفاً نبيلاً يغدون الخُطا للوصول إليه.

في مقال له نشرته جريدة الرأي الغراء «قبل بضعة أيام» تحت عنوان (النهضة فكرة وعبرة) يحاكم سموه الواقع العربي المأزوم محاكمة صائبة، تقرأ أسباب تخلفه داعياً إلى مواجهة التحديات التي تحاصره «بوعي وإيمان بحتمية التغير والنهوض بالأمر من واقعها الذي انتهت إليه»، وحتى يتم ذلك لا بد من «مراجعة للخطاب الذي ساد والوعود التي أطلقت والفرص الضائعة والمواقف التي أوجدت اليوم واقعنا الذي نعيش». وكأن بسموه يريد من خلال هذه «المراجعة» بلورة خطاب آخر يلبي الطموحات العربية، خطاب عقلاني متنور يؤسس لواقع جديد يرسى دعائم القيم الإنسانية وينتصر للحقوق الضائعة فالحق الأعزل حق ضائع في عالم اليوم.

في حكمته يستعيد الحسن بن طلال مواقف الهاشميين التي أكدت دوماً على فكرة «النهضة العربية» مُذكراً في هذا السياق بالجهود المخلصة التي بذلها جده الشريف الحسين بن علي طيب الله ثراه، الذي قاد ثورة عربية مباركة من أجل ترسيخ الهوية العربية والانتصار لقيم الحرية والاستقلال.

إنها الثورة التي هبت في وجه «الظلم والظالمين» من أعداء الشعوب رافعة شعار «الوحدة العربية» لأمة عربية إسلامية تريد إعادة «اللحمة» لأوصالها الممزقة واستعادة أمجادها التليدة دون مغالاة في الزّهو والمباهاة، وكما يقول سموه «الأمم لا تتقدم بالعودة إلى الماضي وعبر تمجيده فقط بقدر ما تنهض بمستوى واقعها من خلال المراجعات التي تحدثها».

لقد عاش وقضى مفجر الثورة العربية الكبرى وفياً لقيم هذه الثورة مدافعاً عن قناعاته التي تجسد أنبل القيم الإنسانية المطالبة باستقلال البلاد العربية ووحدتها.

وإيماناً منه بنبل فكرة النهضة كما صاغها جد بني هاشم الحسين بن علي، يقول سموه «فإن التفكير بها كحالة نهضوية بعد مائة عام يجب أن يكون بذات المستوى الذي ولدت به باعتبارها منتجاً إصلاحياً عربياً» وحتى تكون كذلك ينبغي أن يشترك «في صياغة مضمونها التحديثي» العربي مع الكردي والمسلم مع المسيحي والسني مع الشيعي» فدون ذلك لن يتوفر لنا مشروع عربي إصلاحي.

في كثير من كلماته وحواراته يحذر هذا الأمير الهاشمي الأقطار العربية من «الفراغ السياسي المرعب القائم في الوطن العربي يقول سموه في حوار أجري معه ونشرته مجلة «المنتدى» التي يصدرها «منتدى الفكر العربي» عدد 232 و233 مارس 2007م، (إذا بقيت الدول العربية مستنكفة عن ملء ذلك الفراغ بقوة سياسية واقتصادية متحدة أو على الأقل متضامنة فلا تلومن إلا نفسها حين ترى القوى العالمية والإقليمية تتكالب على ملئه فرادى أو متحالفة أو متنازعة فيما بينها مع ما يؤدي إليه ذلك من المشاهد المأساوية في فلسطين والعراق ولبنان والسودان والحبل على الجرار. مشاهد قد تختلف في تفصيلاتها، لكنها تشترك في أسبابها العريضة).

أليس هذا ما يحدث هذه الأيام؟ ألم يقل الحسن بن طلال الحبل على الجرار وها هو الحبل يجر سوريا وليبيا إلى دوامة القتل وسفك الدماء والاقتتال بين الأخوة بعضهم مع بعض.

وفي نقد مرير لعرب هذه الأيام يقول سموه وفي الحوار نفسه: «والمفارقة أن سلوك أعداء العروبة يشي بأنهم يعترفون بالعروبة قوة كامنة، لكن مرشحة عند توافر شروطها أن تصبح فعلية. وهم باعترافهم هذا على النقيض من عرب هذه الأيام الذين يوشكون أن يعتذروا عن (تهمة) انتمائهم القومي».

وحرصاً من سموه على الشؤون الإنسانية دعا مراراً وتكراراً إلى تأسيس صندوق عالمي فوق قطري للزكاة تديره كفاءات الأمة أينما كانت، وذلك بغية الحد من «الفقر» وتوفير الحياة اللائقة بكرامة الإنسان.

ان سمو الأمير الحسن «داعية سلام كان ولا يزال يدعو إلى وضع الاعتبارات الإنسانية وإعادة الإعمار فوق أي اعتبارات سياسية».

ونرى أن سموه يؤكد دائماً وأبداً أن المواطنة الحقة هي السبيل الأمثل لحفظ كرامة الإنسان ولنهضة الأمة حيث لا تعصب لدين أو مذهب أو طائفة أو عرق.

ويعتبر سموه أن الوسطية في التعامل مع القضايا الإنسانية تقرّب ما بين الشعوب. وتحاول إخماد بؤر التوتر في هذا العالم. وتضع حداً للنزاعات والخلافات بين البشر. «منتمياً كان ولا يزال سموه «لمعسكر الإنسانية الشامل لمكونات المواطنة الحاضنة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً من غير تمييز وبقصد خدمة الصالح العام».

ان حرص سموه على ترسيخ قيم الحرية والديمقراطية والعدالة هو استمرار لحرص الهاشميين على امتداد التاريخ الذين نذروا حياتهم مدافعين عن هذه القيم. ويضيف سموه قائلاً: (فلكي لا يكون الدفاع عن هذه القيم بيد خارجية، يجب علينا التحضير والجاهزية لكي يكون دفاعنا بأيدينا وأنفسنا وفكرنا وبكل سبل ممكنة).

وفي حله وترحاله، ظل الأمير الحسن بن طلال صاحب حضور فاعل في كل المنتديات العالمية ينتصر للسلام في كل بقعة من بقاع العالم إيماناً منه بالمشترك الإنساني الذي يضعه نصب عينيه في كل تحركاته.

وفيما يتعلق بالشأن العربي والإسلامي، يظل سموه وفياً لقيم آبائه وأجداده الهاشميين الأبرار مؤكداً على الدوام «أن المشروع الحضاري العربي» الذي اختطه وقاده منذ البداية الشريف الحسين بن علي – طيب الله ثراه – ومن بعده أنجاله وأحفاده الغر الميامين لم ينته «فصيرورته التاريخية» ستستمر ليتجسد واقعاً على الأرض طال الزمان أم قصر.

وبعد، إن الحسن بن طلال وفي كلمات موجزة رجل ولا كل الرجال، يشرف بانتمائه إلى العترة النبوية الشريفة. «أنه لا يسكت على ضيم.. صادق مع الذات ومع الآخر.. في صدر أولوياته تقع القضية الفلسطينية.. يحمل همها أينما ذهب فهي قضية إنسانية عادلة باتت مع الأسف تدار من قبل الأجانب بينما أصحابها الشرعيون يختلفون حول الأولويات! إذ نراه يقول:

(لقد وجدت أن الإرادة العربية ما تزال في قيلولة، والمحافظ السيادية العربية تدار من قبل الأجانب).

ما أحوجنا إلى مثل هذه الصراحة التي عرف بها سموه. إنها السبيل للخروج من عنق الزجاجة التي نحن فيها. فهو يؤكد قائلاً:

(نحن بحاجة ماسة إلى ميثاق اجتماعي ومنظومة نزاهة تلزمنا جميعاً على اعتناق المسؤولية الحرة – نظام الواجبات والحقوق – إذ أن أسوأ أنواع التحرر هو التحرر من المسؤولية).

والسؤال الأخير يطرحه سمو الأمير قائلاُ: ترى متى نفعل مثل هذا الميثاق الاجتماعي.