نذكر, من مجتمع القرية, الذي أدركناه صغاراً, أن ثمة شخصيات كانت تمثّل مجموعة من القيم ذات الحضور في ذلك المجتمع البسيط المحدود.
كان «فلان» رمزاً للقوة البدنية التي قد تنعقد حولها الاساطير.. وكان «علاّن» رمزاً للتقوى البالغة درجة الولاية ذات الكرامات, وكان في القرية من يبلغ في الذكاء مرتبة لا مزيد وراءها, ومن يبلغ في النخوة أو في الكرم مبلغاً يذكّر بعنترة العبسي أو بحاتم الطائي. وفي الجملة يمكن القول إنه كان لكل قيمة عليا من القيم التي تعطي للحياة معنى من يمثلها أو يقدم انموذجاً مشهوداً لها.
حتى في مجتمع المدينة الصغيرة, لأول تشكّله كان ثمة من هو مثال في البطولة او في الغنى (القوة الخيرة والمال المحترم) أو في الذكاء والدهاء (الادارة والسياسة) أو في غير ذلك من مناحي الحياة وتجلياتها.
الان, وبعد تطاول العقود وتراخي السنين وتفاقم الازدحام, صرنا نبحث عن انموذجات ملموسة للقيم بحث الظمآن في البيداء عن شربة ماء, ولم يتمخض العدد الكبير التماوج عن كيفيات يستهدى بها, إلا أن يكون ذلك فبركة أو صناعة إعلامية أو دعوى داحضة بغير دليل.
لقد تقدمنا على المستوى المادي الاستهلاكي وتخلّفنا تخلّفاً معجباً على مستوى «القيمة» فامتلكنا ظاهر الغنى وواقع الفقر في لحظة حرجة, لا بد أن تتظاهر الارادات منّا على تجاوزها.
لقد شغفنا شغفاً مرضياً بالتنمية التي لا تزكية للقلوب فيها, وصار «التراكم الكمّي» هو غايتنا القصوى ومبتغانا الرئيس, وغفلنا عن الجانب الاخلاقي من حياتنا, حتى إن «العقل» وهو النصير الظهير للاخلاق صار عندنا «عقلاً اداتياً» يمارس مهاراته في نقض القيم التي تمنح الحياة معناها ويمتثل صاغراً في خدمة «اللاأخلاقية» التي تلقي بظلالها الكئيبة على واقع البشرية البئيس.
حال تقتضي - لدى العقلاء - التماس سبل النجاة منها.. فالتمسوا لأنفسكم إن كنتم تعقلون.
لحظة حرجة
11:15 22-7-2016
آخر تعديل :
الجمعة