تمنى المرحوم فريد الاطرش يوما ان يظل قرب حبيبته وصدح بأغنيته المعروفة بين أوساط الجيل القديم « يا ريتني طير لأطير حواليك.. الخ...الخ.. «. لكن ليس بين أيدي الدارسين والباحثين عن الحقيقة اليوم اية وثيقة تثبت او تدل على مصير أمنيته والأرجح انه رحل دون تحقيقها! حتى وان تحققت امنيته فانه حينها لم يكن ليستفيد من قربه من حبيبته لأنه يكون قد تحول الى مجرد طائر يحلّق في الفضاء ، بينما ظلت محبوبته من عداد البشر!
كثير من الناس وانا منهم لهم امنيات اقل أهمية وتعقيدا من أمنية المرحوم الاستاذ فريد صاحب الصوت الجميل ، ولكن حناجرنا لا تسعفنا في اعلانها على الملأ جهارا فنلجأ الى اساليب أخرى منها الفعل التنفيذي والمخاطبة المباشرة وفي معظم الاحيان السكوت الذي يولد شعورا ثقيلا بالحسرة.
هذا الرهط من الناس يتساءل دائما لماذا لا تنتشر فكرة المحافظة على بيئة نظيفة بين عدد أكبر من المواطنين الصالحين بشكل افقى وعامودي في الشارع والمدرسة كما في البيت ؟ ولن تخلو أية مناسبة اجتماعية من متهكم أو ساخر من ملاحظات تتعلق بالمحافظة على البيئة. وكلما طرح السؤال على أحد أعضاء «جمعية ايذاء البيئة «: لماذا لا تستعملون الحاوية أو السلة ؟ جاءك الجواب المطمئن ان عامل الوطن سيفعل ذلك ، هذا اذا لم يطلب منك عدم التدخل بما لا يعنيك!
قبل ايام كنت أسير في أحد شوارع اللويبدة وكان الليل قد ارخى سدوله كما يقال ، واذ بي اقترب من ثلاثة شبان في كامل اناقتهم يتجاذبون اطراف الحديث قرب الرصيف ولاحظت ان أحدهم طحن علبة الدخان بأصابعه وألقى بها على الارض المباحة الصبورة. وبدون ان أفكر بالنتائج انحنيت والتقطت تلك العلبة مما لفت انتباه الشاب الذي خاطبني بلهجة شبه مؤدبة وخجولة: « عمو ، العلبة فاضية»! أظنني ابتسمت لأنني لم أكن عمه ولن أكون ، وأجبته دون ان انظر اليه مباشرة: « لا تقلق ، من عاداتي السيئة ان ألمّ العلب الفارغة واضعها في مكانها الصحيح !» وكانت أحدى السلال المعدنية على بعد خطوات فقط ، ولم التفت اليه لأرى ردة فعله ومضيت في طريقي...
في يوم آخر كنت أقف مع صديق في حديقة عامة وكانت بقربنا أم برفقة طفلها ذي السنوات الثلاث. أفلت الكيس الملون من يدها واستقر على الارض فما كان منها الا ان طلبت من طفلها ان يلتقط الكيس ويضعه في سلة المهملات القريبة.أستطيع ان أجزم ان هذا الطفل لن يلقي بأي شىء على الارض بعد ذلك اليوم ، فأوامر والدته مقدسة وسلوكها قدوة وعادة حسنة ستلازمه أبد الدهر.
بين الحين والاخر تلاحظ أيضا احد السائقين يتوقف عند حاوية القمامة ليفرغ حمولته الصغيرة فيها ويمضي. ثم تضطر لملاحظة ان سيارته تحمل لوحة خصوصية. هل من تفسير لذلك ؟
المؤسف ان بعض الممارسات اصبحت جزءا من حياتنا اليومية ، ومن المشاهد المألوفة التي لم تعد تسبب أية ردود فعل أن يقوم الشاب بعد ان ينتهي من قضم ساندويشته أو شرب علبة المياه الغازية في الشارع برمي تلك العلبة أو اللفافة خلفه أو بجانبه ويمضي. وكذلك السائق وهو يرمي من شباك سيارته بشيء انتهى من استعماله مثل ورقة أو عقب سيجارة أو كيس او ما شابه.وكلا التصرفان يذكراننا بمخلوفات أخرى تترك فضلاتها تتساقط منها غير عابئة بما حولها وكأنها هائمة وحدها في الصحراء!
هناك امنيات صغيرة وربما ساذجة ولكنها كثيرة لو تحقق جزء منها لأصبحت حياتنا أجمل ، ودروبنا أكثر سلاسة ومتعة للبشر والطير الذي كان المرحوم فريد الاطرش يتمنى ان يصبح واحدا منها لتحسين بيئته العاطفية!
أمنيات صغيرة جداً
10:45 22-7-2016
آخر تعديل :
الجمعة