مصطفى محمود وقد اختط طريقا آخر
في الاسبوع الماضي رحل عن عالمنا الكاتب والمفكر المصري مصطفى محمود ويتصادف أنني في مثل هذه الأيام منذ ثلاث وثلاثين سنة (13 /11/1976) كنت قد كتبت عنه وعن آخرين من كتاب مجلة روز اليوسف المصرية مستذكرا لقاءاتي بهم في الخمسينات من القرن الماضي أثناء دراستي الجامعية وذلك في مقال تحت عنوان اسماء لها تاريخ فبعد أحمد بهاء الدين واحسان عبدالقدوس وصلاح حافظ وفتحي غانم ويوسف ادريس ومحمد عوده وخالد محمد خالد ومحمود امين العالم قلت عن مصطفى محمود في احدى زياراتي للمجلة عام 1956 قبيل عودتي للوطن الدكتور مصطفى محمود طبيب الوحدة الصحية في بولاق ومريض الصدر فيها سابقا، كان يحمل عوده ويدندن عليه وسط الكتاب والرسامين في دار روز اليوسف ثم يتحدث عن الكون والنجوم والفضاء وما يراه كل يوم في تلسكوبه الخاص الذي نصبه على بلكونة شقته بجانب قفص الفراخ ، ويمعن في الحديث عن الخلق وآرائه فيه، وكان آنذاك ملحدا ونشر كتابه الشهير/ الله والانسان ولم يلبث بعدها بسنوات قليلة أن غير مسار تفكيره وانقلب الى النقيض مؤمنا متبحرا في علوم الدين الاسلامي وفقه التفسير .. ، وقد سر يومئذ حين علم أنني تدربت كطبيب امتياز في نفس المكان الذي عمل به بعد أن تحول الى مستشفى وسألني عن الممرضة البدينة محاسن التي تتفانى في خدمة المرضى وترهق نفسها من اجلهم ومع ذلك تبدو دائمة السعادة كثيرة الضحك .
من المعروف بعد ذلك أن شهرته طبقت الآفاق وأصبحت كتبه التي يقال أنها فاقت المائة هي الاكثر مبيعا في العالم العربي ومعروف أيضا أنه قدم برامج تلفزيونية أطولها عمرا العلم والايمان (400حلقة) ولا تجوز مقارنتها البتة باحاديث الدعاة (!) في هذه الأيام ..
من معرفتي المحدودة بالدكتور مصطفى محمود استطيع واثقا القول إنه كان شديد الذكاء عميق الفهم وقد تمكن من تطويع علومه الطبية كالتشريح والفسيولوجيا والبيولوجيا وعلم الاجنة وسواها واضاف لها معارفه الفلكية لتفسير كثير من ظواهر الكون والحياة والاخلاق والاديان لكنه أسهب في التحليل العلمي للعقيدة الاسلامية ولقد نجح -ولو لوقت- في جعل ملايين من قرائه ومشاهديه ومستمعيه من العرب والمسلمين يقتنعون بما يكتب ويوافقونه على تطابق العلم مع الايمان لكن بطريقته هو وتبريره هو وحسب فهمه هو، الأمر الذي لم يعجب كثيرا من المفسرين الآخرين فعارضوه بشدة وظهر منهم من ركبوا الموجة التي بدت لهم الأسهل لكسب القلوب والعقول والأكثر إستجلابا للربح الوفير ! وبعد .. ففي هذه العجالة لست أحكم على كاتب كبير كالدكتور مصطفى محمود وعلى أعماله فانا لم أتابعه جيدا ولا أدري إذا كان أي من كتبه التسعة والثمانين قد فاز بجائزة عربية أو دولية مرموقة كما لا أدري إذا كان بعضها قد ترجم الى لغات أخرى، لكني اذكر جيدا بداياته وكيف أعجبت بها أيما أعجاب وتوقعت أو تمنيت- بعد أن قرأت قصته الطويلة العنكبوت- أن يصبح روائيا عالميا لكنه اختط طريقا آخر !
د. زيد حمزة
|