حكمت ميشيل بدر
إنها اللحظة الأخيرة التي قد تمَ فيها كل شيء، ولكن إتمام الشيء في هذه المرة لم يكن نهايته، فقد صرخ وفي آخر لحظة بصوت عظيم قائلاً ''يا أبتاه في يديك أستودع روحي'' (لو23: 46). وقد كانت هذه الصرخة هى صرخة انتصار. لإنه لأول مرة منذ سقوط أبينا آدم من الفردوس يستطيع أحد أن يقول ''فى يديك أستودع روحي'' فكل من مات لم يستطع أن يستودع روحه فى يدي الآب بل كان إبليس يقبض على تلك النفوس. وإذ صرخ السيد المسيح بصوت عظيم رغم حالة الإعياء الشديدة التى كان يعاني منها إنما أراد بذلك أن يلفت النظر إلى عبارة الإنتصار هذه. وهذه هي أول مرة منذ سقطة آدم يضع ذو طبيعة بشرية روحه في يدي الله.
صار السيد المسيح هو الجسر الذي يعبر عليه المفديون من الجحيم إلى الفردوس وإلى ملكوته. وقد خاب أمل الشيطان في هذه اللحظة لأنه رأى أمامه قوة الذي إنتصر بالصليب. أخفى السيد المسيح لاهوته عن الشيطان وكان يقول ''نفسي حزينة جداً حتى الموت'' (مر14: 34).كان يجاهد ويأتي ملاك ليقويه في الصلاة من أجل إخفاء لاهوته عن الشيطان ولكن في اللحظة التى أسلم فيها روحه على الصليب، أي عندما غادرت روحه الإنسانية الجسد، في الحال أبرق بمجد لاهوته. فقد تحوّل الموقف تماماً وكأن الشيطان يقيم حفلاً أو وليمة وأحضر معه كل بوابات الجحيم وكل قوات الظلمة لتحيط بمنطقة الجلجثة فوقف أمامه من ''خرج غالباً ولكي يغلب'' (رؤ6: 2) ففزعت من أمامه كل هذه القوات حينما أبصرت مجد لاهوته. ومنذ ذلك الوقت أصبحت المسيحية تمتاز بكونها لا تخاف رهبة الموت ولا تضعف أمامه، لأن شعارها دائما ''أين شوكتك يا موت، أين غلبتك يا هاوية (1 كورنثوس 15: 55)''.
لذلك عندما نحتفل بعيد الفصح المجيد، نتذكر محبة الله المتجسدة بيسوع الذي سفك دمه لأجلنا وصار فصحنا. فالفصح يؤكد لنا أن مسيحنا حي وأنه قام من الموت ليمنحنا حياة جديدة مع لنحيا معه إلى الأبد. لذا فبنو الله أي المؤمنين بموت وقيامة المسيح كفارة عن خطاياهم، لا يخافون الموت بل يشتهونه، فقوة القيامة التي فيهم أقوى من الموت، وبسبب القيامة أصبح لا خوف من الموت، لقد وهبنا المسيح روح قيامته حتى يسهل علينا أن نموت كل يوم من أجله ومن أجل الآخرين.
ليست القيامة حدثا في الماضي وليست ما سيحدث في المُستقبَل، ولكنَّها تبدأ الآن وتستمر حتى الأبديَّة. إنَّها تبدأ الآن عندما نَقبَل يسوع في حياتنا كربٍّ ومُخلِّص. هناك كثير مِن الناس اليوم يرون أنَّ الحياة لا معنى ولا طَعمَ لها، لدرجة أنَّهُم لا يحتملون فكرة أنَّها ستدوم إلى الأبد. إنَّهُم يعيشون الحياة كما لو كانوا موتى ومدفونين. هؤلاء هم موتى الأرواح والأذهان والآمال، وما يحتاجون إليه حقًّا هو قيامة: قيامة شخصيَّة. إنَّهُم يحتاجون أن يقوموا إلى حياة جديدة، وهذا بالضبط هو ما تُقدِّمه قيامة يسوع. عندما نحتفل نحن المسيحيِّين بعيد القيامة، فإنَّنا لا نحتفِي بحدثٍ ولَّى وفات، حَدَثاً جليلاً سامِيًا رفيعًا كان في الماضي وانتهى، كلاَّ وأَلف كلاَّ، القيامة هي اختبار مُعاصِر كل يوم، وهذا يتَّضِح مِن خلال الذين يَقبَلون كل يوم يسوع في حياتهم، كربٍّ ومُخلِّص. إنَّ يسوع يُقيمُنا اليوم، ويُعطي طعمًا جديدًا للحياة اليوم، وغلبة جديدة على الخطيّئَة.
يُعطي يسوع القائم: رُؤية جديدة، فرحة جديدة، سلامًا جديدًا. يشهَد لذلك بولس الرسول الذي كان مُضطهِدًا ومُفترِيًا وأصبح رسولاً. كما يَشهَد زكا العشَّار الذي كان لِصًّا طمَّاعًا أنانيًّا مُتواطِئًا مع الأعداء، وتحوَّل إلى رجُل سخي يُقدِّم الإحسان. تشهَد على ذلك مريم المجدليَّة التي تحوَّلَت مِن خاطئة إلى قدِّيسة. كما يشهد على ذلك اللص الذي دخل الفردوس. مِن المُمكِن لنا بالمِثل أن نعيش القيامة، فتتحوَّل حياتنا مِن يأس إلى رجاء، ومِن حُزن إلى فرح، ومِن موت إلى حياة. وكما يقول أحد القديسين ؟بالأمس صُلبتُ معه، واليوم أتمجَّد معه. بالأمس مُتُّ معه، واليوم أحيا معه. بالأمس دُفنتُ معه، واليوم أقوم معه؟. وكل يومٍ وأنتم ممجدون بقيامته
HEKMATB@HOTMAIL.COM






