عمان - ناجح حسن - جاءت فرصة مشاهدة الفليم الفرنسي المسمى سيرافين لمخرجه مارتن بروفوست الذي قطف العديد من جوائز حفل السيزار الفرنسي قبل يومين خلال الدورة الاخيرة لمهرجان القاهرة السينمائي حيث تأكد لكثير من النقاد عقب عرضه انهم امام عمل مختلف وسيكون له النصيب الوفير من جوائز المهرجان وبالفعل لم تكن قرارات لجنة تحكيم المهرجان مخيبة لتطلعات اولئك النقاد ونال الفيلم اكثر من جائزة ولكن بعيدا عن الجائزة الكبرى رغم المنافسة الحامية مع افلام اوروبية واميركية لا تقل روعة وحرفية فعلى سبيل المثال كانت هناك افلام : الاسباني العودة الى حنصلة و الايطالي جومورا واليوناني الجريكو والتركي القرود الثلاثة والاميركي العيش في البرية وسواها كثير من احدث ابداعات الفن السابع .
تتضمن احداث الفيلم الفرنسي سيرافين المأخوذة احداثه عن قصة حقيقية لواحدة من اشهر رسامات فرنسا في رحلة صعودها وسقوطها على مزيج من اللقيات الدرامية الاخاذة التي تنهل من وجدان الفرد المعاصر داخل بيئة اجتماعية مخضبة بالامال والتطلعات والانكسارات والعميقة الافكار والجماليات التي تفيض بالرقي والجاذبية سواء في أداء شخصياته وعلى نحو خاص ذلك الاداء الفذ لبطلته يولند مورو وهي تجسد في تعابير وأحاسيس صادقة نواحي من الجمال والقسوة والحلكة يدور حراكها في طبيعة اّسرة .
يسرد فيلم سيرافين فصولا من سيرة حياة امرأة عاشت ابان حقبة القرن التاسع عشر ابصرت النور في بلدة واقعة على اطراف العاصمة الفرنسية باريس واعتبرها الاهالي في تلك البلدة البسيطة بانها حالة غير مالوفة او مسبوقة ويندر ان يوجد لها نظير في قدرتها على التعامل مع الظروف التي وجدت نفسها فيها او في تعاملها مع ما يحيط بها من مفردات العيش في اجواء من الطبيعة الخلابة حيث يعرف عنها انها رعت الاغنام وهي في فترة مبكة من العمر ووقعت في علاقة حب مع احدهم قبل ان يتخلى عنها الامر الذي دفعها الى اللجوء الى احد الاديرة للاقامة فيها .
يقتطف الفيلم السنوات التالية من الفترة الزمنية التي اقامت فيها سيرافين في دير الراهبات بعد ان بلغت من الاربعين عاما وانطلقت باحثة عن وسيلة للعيش لتجدها في العمل خادمة لدى امرأة تنحدر من عائلة ثرية في البلدة حيث استمرت تعمل بشكل متواصل وقاسٍ طوال اليوم مقابل ما تتركه لها مخدومتها من فتات لا يتلاءم بحجم العمل الشاق الذي تقوم به لدى مخدومتها وعلى رغم هذا الازدراء والتهميش والعزلة كانت سيرافين تشقى في البحث عن لحظة تقتنصها كنافذة تطل منها على العالم الذي يحيط بها بعد الانتهاء من عملها المتواصل والتي عثرت عليها في التجوال في أجواء من الطبيعة الواقعة على اطراف البلدة حيث كانت تطلق العنان لنفسها في التأمل بشغف في نباتات وأزهار وورود وأشجار وألوان ووديان وانهار ومياه وسهول وجبال هذه المناطق الخلابة.
ثم لا تلبث سيرافين بعد الانتهاء من حالة الانغماس والتوحد في فضاءات الطبيعة ان تعود الى بيتها البسيط الذي لا يقوى على اي من مقومات السكن اللائق لتبدأ وعلى نحو خفي ومن دون ان يقترب منها احد في رسم ما اوحى لها عناقها البديع باشكال من الطبيعة التي اصبحت واجبا يوميا ضمن تفاصيل واقعها المجبول بالعذاب الانساني فهي غالبا ما تظهر في رسوماتها صورا على هيئة لوحات متخيلة تفيض بتدرجات النور والظلمة وتجسيد قوي لمفردات وعناصر الطبيعة في انحناءاتها وتبدلاتها بحسب المواسم ومراعات عمق وابعاد المناظر التي تحتوي عليها تضاريس البيئة في جماليات واحساس عذب بالمكان وما كانت لتبلغ هذا الرقي والاندفاع في قدرتها على الرسم لولا تصميمها على توفير تلك المبالغ البسيطة التي تعمل على توفيرها جراء خدمتها الشاقة في منزل السيدة الثرية لتقوم بابتياع اقلام الرسم والوان الزيت وومسطحات الرسم وما شابه .
فجأة يتغير مسار حياة سيرافين بوصول رجل الماني يبحث هو الاخر على ملاذ امن يجده لدى بيت مخدومتها وللمصادفة انه كان يشتغل في بلده الاصلي بالمانيا في نقد وتقييم واقتناء اللوحات للفنون التشكيلية حيث يكتشف هوايتها الخفية بالرسم ويتأكد له انه امام طاقة ابداعية جديرة بالاهتمام وان ما انجزته من رسومات ستكون لها حظوة لدى النقاد وبالتالي سوق رائجة في جاليرهات الفنون بباريس ويبدأ في تشجيعها على ترك مهنتها البسيطة والانطلاق معه صوب المدينة الكبيرة حيث تنتظرها اكثر من فرصة لعرض لوحاتها هناك .
وتتمكن سيرافين للمرة الاولى من الحصول على مال وفير وتشرع في الاستحواذ على لوحات شهيرة وممارسة اعمال الاقتناء ولتصبح من اشهر العاملين في سوق اللوحات التشكيلية بباريس معلنة الانعتاق من ايام الفقر والبؤس والعذاب لكن الازمة الاقتصادية الاخذة في تدمير مؤسسات ومصالح الكثير من التجار وافراد الطبقة الغنية واصحاب الممتلكات والمشاريع التي لحقت بفرنسا في مطلع القرن الفائت جعلت كل الاموال التي حصلت عليها سيرافين بفطنتها وذكائها تتبخر وهو ما ادى بها الى ان تمشي في طرقات البلدة بغير اتزان وهي تنثر مقتنياتها من اللوحات التشكيلية الشهيرة على المارة بغير اكتراث حيث يقبض عليها وتودع في مستشفى للامراض العقلية لتقضي فيها ما بقي لها من سنوات العمر.
وظف المخرج مارتن بروفوست معايشته للبيئة التي دارت فيها الاحداث لينجز واحدا من بين افضل الافلام الاوروبية والفرنسية تحديدا خلال العام الفائت حيث اصطحب ممثلة الفيلم يولند مورو الى البلدة وترك لها العنان لان تتجول وتنغمس بازقة المكان وفضاءاته لينينعكس ذلك في اثر ايجابي على ادائها المفرط بالحساسية والشغف والبراءة وهو ما قادها لان تقتنص جائزة افضل تمثيل في اكثر من مناسبة عرض فيها الفيلم مثل مهرجان القاهرة وتوجت ذلك في حفل السيزار حديثا.








