تدور احداث رواية «يا صاحبي السجن» حول مذكّرات المؤلف الشاعر أيمن العتوم في مرحلة سَجْنِه، وهي من أدب السجون بقالبٍ أدبيٍّ عالٍ وضمن سبرٍ لغور النفس الإنسانيّة، حيث يقول الكاتب خليل الزيود في قراءة له للرواية:»مساكين أولئك الذين ظنوا أنَّ الموت أو الغياب السحيق سوف يُودِي بصاحب الجبّ، لم يَدُرْ في خلدهم يوماً أن الفضاءات المطلقة تبدأ من الجحور الضيقة، هنالك تصنع الحياة، ويُعاد ترتيب مُكوّناتها، هناك يتهجّأ الإنسان حروف ولادته من جديد، بهذه الحروف  خرج الكاتبُ من ذاته العميقةِ ليروي لنا فصلاً من حياته بعد غياب طوعيّ طويل».
الرواية الصادرة حديثا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر يُمكن وصفها بالرّواية الّتاريخيّة، حيث تنقّل الكاتب في 344 صفحة من القطع المتوسط وُزّعت في سبعةَ عشر فصلاً حملتْ في تضاعيفها سبراً لغور النفس الإنسانيّة، ومن هذه الفُصول نقرأ العناوين الآتية: (يقصُّ الحق، ادخلوا مساكنكم، اقرأ كتابك) فبدأ يجمع من الغبار المتناثر في الأجواء خيوطَ حكاية أعاد نسجها ليخرج ثوباً جديداً، وقد غاص الكاتب متئداً في ذاكرته متوجِّسًا من لسان التاريخ الذي ما رحم المزايدين ولم يغفر للكذبة،»فبين فاصلَين زمنيَّين التقط الكاتبُ أنفاسه، ليصغيَ إلى إيقاعها وهي  تدور من جديد.
وفي الفصل الثاني ارتمى ظلَّ الشاعر بين يديِّ قلعة عجلون وحين غادرها ولم تغادره، يسطّر لنا الكاتب:»آه لو يعرف الانسان ما تخبئ له الأيّام، لاسطاع أن يتحكّم بذهوله على الأقل»، ثمّ يعيد الكاتبُ التساؤل عن جدوى الأسئلة في الزمن الخاطئ»، وأشار إلى أنّ «الزنزانة أنثى إن عاندتها عاندتك، وإن تودَّدْت إليها تودَّدَتْ إليك، والفرق بين الزنزانة الأنثى أنّ الأولى لا تتكلم ويقتلك صمتُها على خلاف طبيعة الأنثى التي تفيض بالكلام».
وطوّف الكاتب في رحابة معنى الحريّة فيقول: «إنّ الحرية صرخةُ (لا) في وجه طوفان (نعم) حين تكون (نعم) غناء القطيع الذي (لا) يعرف غير هزِّ الرؤوس والأذناب»، وتكتملُ إنسانية الكاتب في اللحظة التي يقرّر فيها أنّ احترام الآخرين لك مرتبطٌ باحترامك لنفسك، وعندما ينحو بك الكاتبُ نحو مُماحكاته مع ضابطِ التّحقيق حول قصائدِه ومحاولة استدراجه نحو العدول عن قصائده مرّة بالترهيب وأخرى بالترغيب، هنا يتمثل لك الكاتبُ عظيماً قد صُنع على عين الرّغبة في الحريّة المطلقة».
وتجد تأمّلات الكاتب تعصف به حين يطفق عائداً من محكمة أمن الدولة إلى «جويدة» ليخبرك: إنَّ الطريق لم يكن طويلاً بالمعنى الجغرافيّ ولكنه بالمعنى النفسيّ طال كما لو كان يسير في التّيه ، قبل أن يضلَّ أربعين عاماً، وينبضُ قلبُ الرواية في اللحظة التي يلتقي بها والد الكاتب بالكاتب، في أوّل زيارة من عشرة أيام في السجن فيبدأ حوار يستمطرُ العَبرات ويستنزفُ الدم من العبارات.
وحوار النفس كان ماثلاً في جسم الرواية فمثلا: «كم أضعنا من الشهور والسنين نُحاول أن نعرف مَنْ نحن أو ما نحن، فما اهتدينا». لقد كان السّجن أفضل قدر للالتقاء بإنسان يمكنه أن يجيب عن هذا التساؤل، ورفقة الكاتب كانت ماثلة أمامه مشكّلة له جزءاً من الوعي الذي بحث عنه طويلاً ولم يجده إلاّ في السجن، والرواية تمتلىء بالإشارات السياسيّة وفيها إماطةُ اللثام عن وجه كثيرٍ من القضايا التي  أبعدنا إعلامُنا عنها مثل: (قضية الأفغان، ثورة الخبز، بيعة الامام) .