عمان - بترا - المسلسل الدرامي التاريخي «مالك بن الريب» الذي كتب نصوص حلقاته الثلاثين استاذ التاريخ والحضارة في جامعة العلوم الإسلامية الدكتور صالح علي الشورة، واحد من بين الاعمال الدرامية القليلة التي تحظى باعجاب ومتابعة الملايين من مشاهدي القنوات التلفزيونية خلال شهر رمضان المبارك.
ويتناول المسلسل الذي انتجه المركز العربي واخرجه محمد لطفي وادى ادواره مجموعة من ابرز وجوه تمثيل الدراما الاردنية منهم نبيل المشيني ونادرة عمران وياسر المصري ومارغو حداد، الجوانب السياسية والانسانية والاجتماعية لسيرة شاعر عربي عاش في حقبة تاريخية حيث كان يسرق اموال الاغنياء البخلاء ويقدمها للفقراء وتعرض لمطاردة مروان بن الحكم وزياد بن ابيه قبل ان يشعر بقرب النهاية ويتخلى عن حياة الصعلكة، ومن خلال تلك الاحداث التي ترتكز على علاقة الشاعر مع محيطه الاجتماعي تبدو اشارات وايحاءات يسقطها العمل على الواقع العربي المعاصر.
وبيَن كاتب المسلسل الدكتور صالح الشورة لوكالة الانباء اللاردنية (بترا)، ان المسلسل هو اول عمل درامي يكتبه لشاشة التلفزيون وان اختياره لهذا الموضوع جاء بدافع عشقه للتاريخ العربي الإسلامي، وانه لطالما رغب بأن تتاح له الفرصة لسبر أعماق هذا التاريخ وتفريغ ما اختمر من ذاكرة وصور مشرقة في ذهنه لتحويلها إلى أعمال درامية لتكون ملهمة للجيل الجديد ومنصفة للحضارة العربية الإسلامية التي قدمت الكثير للإنسانية.
وقال الكاتب الحاصل على درجة دكتوراه الفلسفة في التاريخ الحديث من الجامعة الأردنية، اعتدنا بأن الأعمال الدرامية التاريخية تكتب للبطل، الذي ترك أثراً في مفاصل التاريخ، ومالك بن الريب لا تجد عنه في الكتب أكثر من صفحات معدودة ولم يشتهر إلا في مرثيته مبينا انه قام بكتابة سيرة الشاعر في ثلاثين حلقة تلفزيونية، حيث شكلت الرواية التاريخية المقتضبة في كتب التاريخ العمود الفقري لمتن المسلسل، ثم جاءت بقية الأحداث من الدراسة المستفيضة لمفردات المرثية، والتعمق في الحالة النفسية لمالك بن الريب في كل بيت من قصيدة مرثيته، وهو ما مكنه من الغوص في مكنونات شخصية الشاعر وتفاصيل حياته، مثل ذكره للبيئة ومكوناتها التي عاش فيها مثل شجر الغضا، ونجم سهيل، والصحراء، والإبل أو ردات فعله تجاه القيم التي تحلى بها طوال فترة حياته فمثلاً الإنكسار بعد القوة التي كانت تسري بروحه لحظة الموت، حينما يقول في مرثيته ( خذاني فجراني) ساعدني من ضبط انفعالات الشخصية وتعاطيها مع الماضي الذي أحبه مالك، فالميت، لا يجر بل يحمل وهذا ما الهمني للنظر في الإنكسار الذي جاء بعد تاريخ طويل من القوة والعزة، من خلال صور المروءة والقيم العربية الأصيلة التي كان يتحلى بها مالك بن الريب.
واضاف الكاتب صاحب مؤلفات (أحمد باشا الجزار من الرق إلى سدة الحكم) و(تاريخ آثار مدينة الزرقاء)، ان الشخصيات التي رافقت بن الريب في رحلته مثل رفاقه وأسرته وقبيلته خاصة، أفردت لهم حيزا لا بأس به في مرثيته كما لا يمكن تجاوز التدافع والتفاعل بين مالك وخصومه حول مفردات الفقر والغنى والبخل والعطاء، والقدرة والعجز، جميعها شكلت الخامة الرئيسه في أحداث المسلسل، فالشاعر لا يتمرد على خصومه ونمط حياتهم، إلا ليحنو على الضعفاء والفقراء من رفاق وأسرة وقبيلة حيث فاز بمحبة هذه الفئة بقدر ما كرهه خصومه، فهو لم يفتر ولم يعجز عن نصرة المظلومين، بل كان كلما هدأت سريرته دعاه صوت الفقر، فراح يلملم شعثه ليخوض معارك أخرى، فأصبح هذا ديدنه طوال حياته. واوضح الشورة ان تصوير ابن الريب كبطل خارق لا يمكن هزيمته استدعته الحقيقة التاريخية والحاجة الدرامية، مبينا انه ليس مفتوناً بثقافة الغالب، فحينما أتابع الفيلم الغربي لشخصيات لم تكن بحجم مالك بن الريب ولا حتى كانت شخصيات حقيقية ولكن الإعلام صنع منها أبطالاً وهميين يقاس عليهم حتى أصبحت معياراً للمروءة والفضيلة والأخلاق والبطولة بكل تفاصيلها، فأنا لا أرى نفسي مغلوباَ حتى تبهرني هذه الشخصيات بل على العكس أجد في التاريخ العربي من الشخصيات البطولية التي ملأت بطون الكتب بالفعل ورد الفعل، فمالك بن الريب أحد هؤلاء الأبطال فقد ورد عنه في مجال القوة أنه كان يفتك بالقافلة المدججة بالحراسة منفرداً، وفي مجال الإيثار كان يقدم الفقراء على نفسه، وفي مجال الشعر لم يتكسب به رغم اتقانه له، وكان سليط اللسان وغيرها من الصفات التي دفعتني للدفاع عنه وهذا بالرغم من أنه كان قاطع طريق فكم نحن بحاجة إلى أنموذج البطل الذي يتحلى بأخلاق العرب الحميدة وصفاتهم.
واشار الشورة الى ان صناعة الدراما الأردنية لها إيجابيانها وأمامها معيقات، أما إيجابياتها فتكمن في وجود الطواقم الفنية المؤهلة القادرة على تقديم كل ما هو أفضل، كما أن البيئة الأردنية غنية بالتنوع المكاني والبصري الذي يرفد الأعمال الدرامية بكل ما هو مبهر وأما المعيقات فتتمحور بتوفير الظروف الإنتاجية والتي تحتاج إلى تكاتف القطاعين العام والخاص للنهوض بها من جديد كي تنافس غيرها على الساحة الإقليمية، إضافة إلى تشتت الجهد الكبير المبذول بدلا ان يكون جماعياً لكل عناصر العمل الدرامي ليظهر بأبهى صوره.
يشار الى ان كاتب نص المسلسل صالح الشورة من مواليد مدينة مأدبا العام 1971، نال العديد من الجوائز منها: جائزة آل مكتوم الخيرية الدولية والمتعلقة بأفضل بحث عن مدينة القدس حاضراً وماضياً ومستقبلاً، ودرع الجامعة الأردنية للتفوق الأكاديمي، وعمل محاضرا غير متفرغ في جامعة فيلادلفيا وجامعة الزيتونة والجامعة الأردنية، ومن بين اصداراته كتاب مدينة القدس تحت الاحتلال والانتداب البريطانيين 1917-1948)، وله ايضا جملة من الدراسات التاريخية والفكرية منها: بحث حول إسهام السلطان سليمان القانوني في التطور العمراني للقدس( 1520-1566).