هارون يحيى

لا شكّ أن الأطفال يدفعون الثمن الأكبر في الحروب أينما كانت، واليوم يُجبَر الملايين منهم على العيش في حالات الحرب على الرغم من صغر سنهم، وعلى العيش تحت القصف الشديد بصفة يومية، وعلى بدء صباحهم وسط الانفجارات والصراخ، وعلى المعاناة من الإصابات الناتجة عن الصراعات المسلحة، في حين ما يجب أن يفعلوه هو اللعب مع أقرانهم في فناءات المدارس. ولكن بدلًا من ذلك، يُصاب الأطفال بمختلف أعمارهم، ويُقتّلون ويفقدون عائلاتهم، وفي الغالب ينتهي بهم الحال وحدهم كلاجئين مستضعفين في بلدان غريبة. وفي كثير من الأحيان تُساء معاملتهم، أو يواجهون تهديدات بالموت المحدق نظرًا لأسباب متعددة منها سوء التغذية وقلة المرافق الصحية أو المستويات الأساسية للعيش. وماهو أسوأ أن مئات الآلاف منهم يجبرون على التجنيد.
أحد الأشياء المشتركة اليوم في حرب العصابات حول العالم هو كثرة تجنيد الأطفال، حيث يستغلونهم أحيانًا كدروع بشرية. وهناك يشير إلى تجنيد ثلاثين دولة للأطفال، حيث يصل إجمالي عددهم إلى 300,000 طفل، من أمثلة هذه الدول أفغانستان وجمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد وكولومبيا وسوريا والعراق واليمن والصومال وجنوب السودان والكونغو ومالي وميانمار والفلبين.
وكلما تزداد مناطق الصراعات حول العالم، يزداد عدد الأطفال المُجبرين على القتال في هذه الحروب، ولكونهم ضعفاء جدًا وحساسون جدًا نظرًا لسنهم الصغيرة، فهم يُعتدى عليهم من الجماعات المسلحة وأحيانًا من الحكومات. هؤلاء الأطفال الذين تيتموا في الحرب والذين شهدوا مصرع عائلاتهم والذين يعانون الفقر، يعانون خطرًا شديدًا.
يلخص الجنرال الكندي المتقاعد روميو دالير مشكلة تجنيد الأطفال في كتابه «يحاربون كالجنود ويموتون كالأطفال»، فيقول «أثناء قراءتك لهذا الكتاب، هناك أطفال بعمر الثامنة والتاسعة والعاشرة وحتى السابعة عشر على وشك فقدان طفولتهم بسبب الحرب، والذين بدأوا في الإعتقاد بأن العنف هو أمر مقبول في الحياة».
على سبيل المثال، يريد سيمون ذو الإثنى عشر عامًا والجندي السابق في جنوب السودان أن يصبح طيارًا، لكن الأمور ليست دائمًا سهلة، يقول «كوني في المنزل أفضل من كوني في الجيش، لأنه في الجيش عندما ترتكب خطأ يرسلونك إلى السجن ويضربونك لأسابيع. لقد كنت أطبخ وأغسل الملابس، ولذا فعندما تحررت من كوني جنديًا وأخذوني (اليونيسيف) لمركز الرعاية، أصبحت شخصًا أفضل. وهناك لم يزعجني أحد، ولم يضربني أحد، وتلقيت الطعام. لا أظن أن الأطفال الصغار يجب أن يكونوا جنودًا»
لقد تم استخدام الجنود الأطفال لأول مرة في حرب فيتنام، ث واليوم يستخدمون علي نحو واسع كانتحاريين في الشرق الأوسط. ميانمار من ناحية أخرى تضم العدد الأكبر من الجنود الأطفال، حيث يمثلون ما يقرب من 20% من الجيش.
يستخدم الجنود الأطفال بكثرة أيضًا في مناطق صراعات مثل موزمبيق وليبيريا وسيراليون وأوغندا. وفي أثناء الحرب الأهلية في ليبيا كان الجنود الأطفال يحملون الأسلحة وكانوا مسئوولين عن أمن المباني إلى جانب وحدات الزوى والتبو في مدينة الكفرة. وخلال حرب أفغانستان التي استمرت سبعة عشر عامًا، أجبر الكثير من الأطفال على القتال، وكان عددهم مرتفعًا للغاية حيث وصلت نسبتهم في وقت معين إلى 45%.
يعتبر الأطفال المجندين في سوريا التي تخوض حاليًا حربها الأهلية السادسة كأمر شبه طبيعى. ويقول محامي الدفاع عن حقوق الأطفال رالف ويلينجر «يستخدم كلا الطرفان المتحاربان الأطفال كجنود. بعضهم يقوم بذلك علانية بينما البعض يستخدمهم كمساعدين للأطباء أو كجواسيس، ما يضعهم في خطر شديد»
والأمر لا يختلف كثيرًا في العراق والتي كانت ساحة حرب منذ 2004، ويؤكد رالف ويلينجر أنه كلما طالت طالت فترة الحرب كلما زادت صعوبة أن يبقى الأطفال بعيدًا عن الاشتباكات.
تحدث طفل في السابعة عشرة من جنود السودان إلى هيومن رايتس ووتش وقال إنه لم يكن يستطيع استخدام البندقية حتى تم اختطافه وتجنيده في أحد الأيام، وقد تم تدريبه وإرساله إلى ساحة المعركة مع آخرين، يقول «قُتل سبعة منا في اليوم الأول». هناك حاليًا 16 ألف طفل مجند يقاتلون في جنوب السودان، ومن المعروف أن ثلث الجيش اليمني أطفال.
أحد البلدان الأخرى التي يُختطف فيها الأطفال ويجبرون على التجنيد هي جمهورية أفريقيا الوسطى، حيث يتم إغراءهم عادة بالمال أو بالهواتف الذكية، ولا يسمح لهم مطلقًا بالعودة إلى منازلهم بعد أن يروا مواقع القواعد، و يتم إعدام هؤلاء الذين يغادرون وحداتهم.
لا شك أن هذه الحالة المروعة تنبع من موجات الاضطرابات التي تغمر العالم، ولكن من غير المقبول أبدًا أن يتعرض الأطفال الذين هم أغلى ما على الأرض إلى هذا الظلم. يجب أن يجتمع أصحاب الضمائر وأن يصيغوا الرأى العام حيث تكثف الجمعيات والمنظمات غير الحكومية جهودها للمساعدة، كما نرجو أن تأخذ الأمم المتحدة موقفًا أقوى تجاه هذه المشكلة وأن تبدأ حملات للتأكد من أن جميع البلدان تساهم في تنفيذ معايير إنهاء مشكلة تجنيد الأطفال. ولا يجب أن يُنتظر الحل من الدول الغربية فقط، كما يجب على رؤساء الدول الإسلامية أن يتحدوا معًا وأن يأخذوا خطوات ملموسة لإيجاد حل لهذه القضية.
وعلاوة على ذلك، يجب أن يُثار وعي العامة بما فيهم العائلات والأطفال في الدول التي تعاني من نفس المشكلة، وذلك عن طريق الندوات التثقيفية كإجراء وقائي.
ومن الضرورى أن يقوم كل فرد بما يستطيع لإنقاذ الأطفال الذين يموتون أو يُقتلون أو يُجبرون على قتل الآخرين، أو الأطفال الجرحى أو المعاقين أو من يضطرون إلى إيذاء الآخرين تحت تهديد السلاح، ليصبح لديهم مستقبل أفضل.
*كاتب وباحث تركي
*يمنع الاقتباس او اعادة النشر الا بأذن خطي مسبق من المؤسسة الصحفية الاردنية - الرأي.