ليس دقيقا الانطباع الشائع المتوارث بأن هناك ما يشبه النادي المغلق لرؤساء الحكومات عندنا، بدليل أن الدكتور عدنان بدران وهو الأكاديمي العالم وصل للدوار الرابع (رئاسة الوزارة) من خارج الحلقة التي تتناوب أحيانا على رئاسة السلطة التنفيذية.
 تجربة الدكتور بدران في رئاسة الحكومة تختلف كثيرا عن تجربة شقيقه مضر بدران، وإن كانت تجمع البدرانين مزايا عديدة ليس اقلها الصراحة والثقة العالية بالنفس.
تجربة د عدنان في الحكومة كانت صعبة حتى لا نقول مرّة،. فقد اصطدم عند العتبة بأعراف سياسية غير منصوص عليها ومنها الالتزام بالمحاصصة الجهوية. ومن سوء طالعه السياسي ان اسعار النفط في عهده الحكومي القصير اشتعلت فوضعت حكومته على حافة الافلاس.
هو خريج كلية خضوري الزراعية / طولكرم بعد ان كان تشرّب عشق الزراعة من والده قاضي شرعي جرش في مزرعة يرتادانها على حصان ابيض بعد الدوام وفي العطل. أنهى دراسته الجامعية الأولى بنفس التخصص في الولايات المتحدة لكنه بعد ذلك وسّع مروحة تخصصاته العلمية والاكاديمية والمستقبلية، وأبدع وابتكر إلى الدرجة التي تصفه بها الموسوعة بأنه اكاديمي عالم وسياسي. أنشأ سلسلة من المؤسسات العلمية والاكاديمية وتوّجها بنيابة رئاسة اليونيسكو ثم برئاسة «حقوق الإنسان « في الأردن.. خلطة مدهشة من الاختصاصات تمنحه الأهلية لأن نستمع له فيما يعتري الكثير من قطاعات الدولة من قصور وخلل أو تراجع.
 سألنا الرجل عن الذي يستهوي الكثيرين من الأردنيين وهو رياضة البحث عن الأصول والمنابت فأعطى الجواب الذي قد لا يعرفه الكثيرون.

دعني دولتكم ابدأ من الآخر.. ما الذي لا يبارح ذاكرتكم كرئيس وزراء سابق من منجزات الأشهر القليلة التي تكلفتم فيها برئاسة السلطة التنفيذية؟ وما الذي كنتم تخططون لتنفيذه لو طالت فترة اقامتكم في الدوار الرابع؟

الذي لا يبارح مخيلتي هو الحصول على الثقة من أعضاء مجلس النواب.. كما تعلمون اضطررت الحصول على الثقة بإجراء تعديل وزاري لتغطية بعض المناطق الجغرافية، التي لم تغط في الجنوب في تشكيلتي الوزارية، لذلك كان هناك لغط كبير وقوائم تعد وتوقع من قبل بعض المعارضين من نواب الجنوب لعدم وجود في تشكيلتي الحكومية اشخاص من بعض قرى ومدن الجنوب، علما بأن تشكيلتي الحكومية دستوريا هي في الواقع تعتمد على الكفاءة دون النظرة الجغرافية، وهي غير منصوص عنها في الدستور، لكن مع هذا كان هناك تقليد. ربما بسبب سرعة التشكيلة، تجاوزنا عن البعض وقمنا بعملية التعديل والإصلاح، فكانت هذه نقطة أخذت جهدا من وقتي وخاصة انه في تلك الفترة ارتفع النفط إلى أرقام خيالية، حيث تسعيرة النفط كانت لدى الدولة 21 ديناراً للبرميل، وأي دينار زيادة عن الـ21 هو دعم من قبل الخزينة، فارتفع فجأة إلى 31 ثم إلى 45 ديناراً، وهذا الرفع جاء قبل حصولي على الثقة، فكنت بين سيفين، سيف الثقة وسيف إفلاس الخزينة، لأنني قمت بحسابها ووجدت بأن هذا الدعم سيكون بالمليارات وليس بالملايين، ولا يتوفر في الخزينة مثل هذا القدر من المال لدعم المحروقات، ولذلك لجأت إلى عملية مضنية من إجراء التعديل الجغرافي وأيضا من لقاء الكتل البرلمانية كلها مرة أو مرتين على الأقل يوميا لإقناعهم بأنه ليس هناك حل إلا في تحرير النفط، تحريرا كاملا بطرحها في الأسواق كأي سلعة كانت في السابق. حاولت إقناعهم بأنه آن الأوان أن نخرج كحكومة من تجارة النفط، لا نريد أن نربح ولا أن نخسر، النفط سلعة يستوردها الأردن لا ينتجها، لذا على المواطن أن يدفع ثمن هذه السلعة، والحكومة قد تقوم بعمل بطاقات للفقراء بالنسبة لاسطوانة الغاز ولمادة الكاز بحيث نعطي الدعم لمن يستحقه. كان يجب أن نخرج من الدعم وإذا دعمنا الفقير ودعمنا الطبقة الوسطى فيجب أن يكون على حساب ضريبة مبيعات بسيطة تكون على البنزين الـ95، بحيث أن الغني الذي يعبئ سيارته ببنزين 95 يدفع لدعم اسطوانة الغاز وصفيحة الكاز للفقير. المعادلة جيدة ومرضية للجميع، وبالفعل كنت أخرج من الكتل البرلمانية وهم يتوعدوني بأنهم سيحجبون الثقة تحت القبة إذا مررت تحرير النفط وخرجت من الدعم، ولكنني في النهاية ربحت المعركة.
 باعتقادي هذا أهم شيء لا يبارح ذاكرتي أبدا، حيث كان جهدا كبيرا استغرق أسابيعا، حوالي شهرين. وكنت أركض من كتلة إلى كتلة لأن سعر النفط كان يزيد يوميا، فكل يوم يمر أشعر بأن 20 مليون دولار تنزف يوميا من الخزينة.
 هذه النقطة الرئيسية. ثم بعدها بشهرين بعد أن حررت النفط، عملت على إزالة الدعم ارتفع مرة أخرى، وحررت بعض السلع ولم أحرر سلعا أخرى، منها البنزين ووقود الطائرات وزيوتها. وبعدها ارتفع مرة أخرى ارتفاعا هائلا ووصل حوالي 95 دولاراً، وبقي مستمرا حتى وصل البرميل إلى قريب من 130 دولاراً. كل هذا ارتفع أثناء حكومتي، وذهبت مرة أخرى لمجلس النواب ولكن في الدورة الثانية كان الجو الطف، ناقشنا الأمر، وقمنا بتحرير النفط تحريرا كاملا ووضعنا لجنة لتقييم وتسعير النفط وهي ما تزال تعمل لغاية الآن، استمر تحرير النفط في الحكومة التي أعقبتني والتي بعدها، ولكن جاءت حكومة بعد الربيع العربي وللأسف أوقفت هذا التحرير خوفا من الحراكات، فعاد دعم النفط مع أمور أخرى. حكومة الدكتور عبدالله النسور أعادت تحريره كاملا،وهو ما كنا عملناه في عام 2005، نحن أول حكومة تحرر النفط في المملكة الأردنية الهاشمية، لو استمرينا في الحكومة لكنّا فتحنا الباب كاملاً للاستيراد، ونحرره تحريراً كاملاً بحيث نخلق منافسة، ولدي قناعة بأنه إذا خلقنا منافسة فسيحصل السوق على أسعار أكثر، النفط محرر في أوروبا وفي أميركا واليابان والهند والمصافي تتنافس وتجارة النفط تتنافس ومحطات البنزين تتنافس، فلا يوجد احتكار، لكن لدينا كان محتكراً من قبل المصفاة، وللأسف الحكومة كانت مقيدة المصفاة، لا تستطيع أن تجعلها تأخذ الأرباح والحكومة كانت تحصل على الأرباح، فالحكومات السابقة كانت تربح من النفط خاصة في فترة «شهر العسل» مع العراق، لأجل ذلك لم يكونوا يحررون النفط. أنا شعرت بأن النفط لا نريد أرباح منه لكن يجب التخلص منه، لأنه يتقلب في السوق وخطير جداً على موازنتنا، فلا أحب أن أربط موازنتي في شيء متقلب، ففاتورة النفط السنوية حوالي مليارين ونصف المليار، وفاتورة الكهرباء لوحدها ملياراً ومائتي مليون دينار، فهذا لدينا يتقلب، لا يمكن أن نضبط موازنة دولة من هذا التقلب، فهذا خطير جداً فيجب الخروج منه، فنحن لا نعمل في التجارة نشتري ونبيع، بل نحن ننظم، فالحكومة تنظم الأمور من خلال تشريعات وتحافظ على أمن واستقرار الاقتصاد واستقرار العملة والتجارة الحرة والتبادل التجاري وتضمن حرية انتقال الأموال والاستثمار وتشجيعه.

 وبالمناسبة، كم من مساحة الولاية الدستورية لرئيس الحكومة كانت متاحة لكم ؟ وما مدى دقة الأقوال أو الانطباعات بان رؤساء الحكومات لا يمارسون الولاية الدستورية كما هو مفترض ؟

لا يوجد مساحة دستورية، جلالة الملك عبدالله الثاني يعطي مساحة كاملة لرؤساء وزرائه.

تصفكم موسوعة ويكيبيديا بانكم عالم وأكاديمي وسياسي.. انت أين تجد نفسك؟

في الواقع أجد نفسي في الثلاثة، وهذا أمر صحي، لأن كل واحد يؤثر ويتأثر في الآخر. لا نستطيع أن نفصل السياسة عن الأكاديميا، عن العلم والبحث العلمي، كلها متداخلة، هناك أمثلة في العالم عن كبار السياسيين هم أكاديميون.. كيسنجر مثلا أستاذ في جامعة هارفرد وأكايديمي ولكنه استلم وزارة الخارجية الاميركية، وهو لا يزال يتعاطى السياسة لغاية الآن، أيضا كنداليزا رايس، أستاذة في جامعة سيتارفرد وهي في الأكايديميا الآن ولكن تعاطت في السياسة وكانت وزيرة خارجية دولة كبرى، وهناك جيمي كارتر الذي عمل رئيس جمهورية هو منتم نسبيا إلى الأكايديميا والعلم والبحث العلمي وله مؤسسات علمية، وهكذا. لذلك أقول بأن السياسة لا تعمل من فراغ. الأكاديميا والبحث العلمي دائما ترفد السياسيين بالمعلومات، والمخترعات ترفدهم بالمعرفة التي ينتجها البحث العلمي. المعرفة يتفوق بها العلماء، ينقلونها ويدرسونها، والأكاديميون يقرأون كثيرا في الدوريات العلمية والمجلات وما يجري في العالم، هم على اطلاع واسع، لذلك يزودوننا بالمعرفة الإنسانية والاجتماعية والعلمية. كل ذلك دعامات للعمل السياسي، بحيث يصبح السياسي مخضرما بالمعارف الإنسانية والاجتماعية، يعرف العالم ويعرف الدول ويعرف الجغرافيا والديمغرافيا، ويعرف الاقتصاد والاجتماع، وعندما يتكلم في السياسة يكون عنده مخزون كبير، قاعدته أكاديمية وعلمية.
هناك كلام مشهور لجفرسون الذي انشأ الدستور الأميركي من اوائل رؤساء الجمهورية في أميركا. أنجح الدبلوماسيين الذين عملوا في الخارج في عهده كانوا من العلماء أو من الاكاديميين، وأدوا أحسن دور كسفراء أميركا في الخارج، هذا كلام يعود لجفرسون الذي أنشأ الدستور الاميركي.

 الحال العام في هذه الاختصاصات الثلاثة له طابع الأزمة.. العلوم في الأردن مأزومة بكونها ليست من الأولويات لدى الناس والحكومات.. والاكاديمية تتراجع في الجودة، كذلك الحياة السياسية مأزومة بفجوة الثقة بين الحكومات والناس. من موقعكم في مجلس الملك، الأعيان، كيف تصفون مجمل الحال في خطوطه البيانية التي تتفاوت الآراء في وصفها وتقييمها ما بين نجاحات بالمقارنة مع دول اخرى مجاورة عديدة، وبين من يصفها بانها متراجعة وأقل كثيرا من المفترض؟

الأزمة موجودة بين الحكومة والشارع، وبين الحكومة والمجتمع. الظاهر أن تجارب عديدة جعلت المجتمع لا يصدق الحكومة. تعده الحكومة بإصلاحات ورخاء وبإنجازات وبأمور كثيرة وفي المحصلة لا يرى شيئا من هذه الوعود. معدل البطالة يتزايد، ومعدلات الفقر تتزايد، التعليم يتقهقر، والرواتب متدنية، والترهل طاغ، والحريات في تأخر، خاصة الإعلام.
 في الواقع ما يقرأه المواطن في الأوراق النقاشية الملكية من إصلاح هو إصلاح هائل . وعندما يتابع عمل الحكومة يجدها على النقيض من الأوراق النقاشية الملكية، لذلك المواطن بدأ يفقد الثقة في الحكومة، واصبحت غير موجودة. حتى في تسعيرة البترول الشهرية، هناك شكوك من قبل المواطن حول صحة هذه التسعيرة. أيضا الحكومة وعدت بإجراء تقشف، وأنها لن تقترب من جيب المواطن بالنسبة لتسديد عجزها المالي .، وأنه يجب تدبيره دون اللجوء إلى المديونية، فالمديونية وصلت الآن إلى 90% من الدخل الإنتاجي المحلي، وهذا رقم كبير. لذلك باعتقادي أن المواطن يريد من الحكومة أن تتقشف. فهل نحن نريد العدد الكبير من الحكومات، وهل نريد العدد الكبير من الموظفين والعاملين في الحكومة؟، هل دولة مثل الأردن بحجمها ومساحتها تبرر وجود أجهزة ضخمة من الو