صالح القلاب

من حق الأردنيين أنْ «يشكوا» وأنْ يتذمروا من تزايد أعداد إخواننا اللاجئين السوريين, الذين لم «يلزهم» على المرِّ إلَّا الأمر منه وبخاصة وأن العالم, الذي نسميه المجتمع الدولي, لم يقُمْ بواجبه المفترض تجاه هؤلاء الأشقاء, الذين ينطبق عليهم ذلك المثل القائل: «إرْحم عزيز قومٍ ذُلْ», وذلك مع أنَّ بعض دول هذا المجتمع الدولي تشارك بصورة مباشرة أو غير مباشرة في وصول سوريا إلى ما وصلت إليه من دمار وخراب مما دفع الملايين من أهلها وأبنائها إلى الفرار من مدنهم وقراهم والبحث عن ملاجئ آمنة في أرض الله الواسعة.
ربما باستثناء فترة الحرب العالمية الثانية فإن العالم لم يشهد لا في هذا القرن ولا في القرن الذي سبقه لجوءاً تجاوز السبعة من ملايين وهذا مع أن الحبل لا يزال على الجرار ومن غير المستبعد أن تصبح هذه الأعداد أضعافاً مضاعفة والسبب أن ما شهدته سوريا خلال الخمسة أعوام الماضية من عنف قد أدى إلى طلب الأمن والأمان بالنسبة للذين اقتلعوا من بلدهم ومدنهم وقراهم اقتلاعاً حتى بالارتماء بين أمواج بحور الظلمات المعربدة التي ابتلعت عشرات الألوف منهم من بينهم أطفال لا زالوا في أعمار الورود.
لقد ابتليت سوريا, هذا البلد الجميل العظيم الذي هو سلة غلال الشرق الأوسط كله إن لمْ تأخذنا المبالغة للقول بل سلة غلال العالم كله, بسلسلة الانقلابات العسكرية التي كان أولها انقلاب الجنرال حسني الزعيم في 1949 وآخرها انقلاب الجنرال حافظ الأسد في عام 1970 وهذا كله قد أدى إلى موجات لجوء وهجرة في اتجاه لبنان وفي اتجاه بلدنا الأردن وفي اتجاه العديد من دول الخليج العربي واتجاه أميركا اللاتينية والعديد من الدول الأوروبية وفوقها الولايات المتحدة الأميركية.
وحقيقة, وهذا يجب أن يقال, أن تأثير هذا اللجوء على الدول التي قصدها الذين اضطروا لمغادرة وطنهم سوريا كان في غاية الإيجابية اقتصادياً كما في لبنان واجتماعياً وتعليمياً وثقافياً كما في العديد من دول الخليج العربي وهنا فأغلب الظن أن المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل قد فتحت أبواب ألمانيا أمام نحو مليون سوري لاجئ لحاجتها إلى هؤلاء وأبنائهم وأحفادهم لتعويض النقص الهائل في أعداد الألمان القادرين على العمل لأن هذا البلد مثله مثل العديد من الدول الأوروبية بات يعاني من داء الشيخوخة التي غدت مصابة به كل هذه الدول.
إنَّ المقصود من هذا هو التأكيد على أن مع الأردنيين أو بعضهم الحق كله عندما تساورهم بعض المخاوف تجاه تزايد أعداد أشقائهم السوريين الذين اضطروا تحت وطأة ما يتعرضون له من دمار وخراب وتحت ضغط المذابح المرعبة التي تعرضوا إليها على مدى الأعوام الخمسة الماضية إلى اللجوء إلى المملكة الأردنية الهاشمية البلد الذي يشعرون أنه الأقرب إليهم وتربطهم بشعبه أواصر قربى عندما كانت دمشق الشام عاصمة الجميع وبعد ذلك.
نحن نعرف أن الأردنيين الذين يتذمرون من تزايد أعداد أشقائهم السوريين, الذين دفعتهم الويلات والمصائب إلى اللجوء إلى الأردن, يشعرون بينهم وبين أنفسهم بالتضامن مع هؤلاء الأشقاء ويعرفون أن معالجة هذه الكارثة ليس لا بمؤتمرات الدول المانحة ولا بالصبر وباحتضان المزيد من الأشقاء السوريين وإنما بمعالجة أساس المشكلة وأساس المشكلة هو هذا النظام الاستبدادي المجرم وهو روسيا التي جاءت بجيوشها وطائراتها القاتلة والمدمرة من أقصى أرجاء المعمورة لتحل مشاكلها مع أوروبا وأميركا وأيضاً هو إيران المذهبية والطائفية التي تسعى لإعادة تركيب خرافات التاريخ من جديد لتسترجع ما تسميه أمجاد فارس القديمة !!

*يمنع الاقتباس او اعادة النشر الا بأذن خطي مسبق من المؤسسة الصحفية الاردنية - الرأي.