وليد سليمان

وليد سليمان - تأخذنا الذكرى والحنين الى جبل عمان واشجار الكلية والشوارع والبيوت الزاهرة بالالفة والهدوء، ففي الطريق الى مسجد الكلية العلمية الاسلامية وبداخله يخيم علينا الزهد والخشوع حيث الساحة الصغيرة التي يمر منها المصلون ذاهبون الى المتوضأ والى داخل المسجد.. ونتوقف مليا لمشاهدة مئذنة المسجد الحجرية المزخرفة ومن ثم ننظر الى مشهد اقرب: الى واجهة المسجد حيث البوابة الرئيسية التي يعلوها حجر قديم كتبت عليه: الآية القرآنية المحفورة بالحجر (انما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر) ومعلومة على بلاطة التشييد مكتوبة حفرا كما يلي: «شيده الحاج حمزة ملص وأولاده عام 1954م - 1374هـ». وندخل هذا المسجد الذي لا هو بالصغير ولا بالكبير انه مسجد متوسط الاتساع تبدو عليه الاناقة والنظافة، ومن ثم نفاجأ عند دخولنا الى بوابة اخرى شاسعة بمعلومات اخرى مكتوبة فوقها على حجر التشييد وهي: «شيد هذا المسجد الحاج عمر بن عز البعلبكي عام 1950»... لنكتشف ان هذا المسجد قد تم بناؤه على مرحلتين وانه يتكون من قسمين وذلك حتى يتسع لأكبر عدد من المصلين هذا ما كان سابقا.. فما بالك الآن؟! انه مسجد صغير!! اذا ما نظرنا الى تزايد عدد السكان والمصلين في الحاضر!!
ونصلي في القسم الثاني من المسجد والمشيد في العام 1954 لانه اكثر تهوية في الصيف.. واثناء الصلاة يؤمنا امام شاب اسمه علاء الدين ابو الشامات.. وبعد الصلاة نلتقي وبلهفة مع علم من اعلام التلاوة والتجويد والتربية المقرىء (محمد ابو شوشة) انه الصوت الذي طالما سمعناه يقرأ ويتلو القرأن الكريم من الاذاعة والتلفزيون الاردني ومن المسجد الاقصى المبارك قديما.
وعندما سألنا الشيخ ابو شوشة: اين انت ايها الشيخ وأين صوتك الجميل؟! تنهد وقال: لقد رجعت منذ ايام من ايران حيث كنت اشترك هناك كمقيم وحكم في المسابقة العالمية للقرآن الكريم اشتركت فيها (41) دولة من العالم العربي والاسلامي. ويفاجئنا المقرىء ابو شوشة عندما يقول لقد كنت اماما لهذا المسجد الذي نجلس فيه في العام 1953 حيث انشىء اولا لطلاب مدرسة الكلية العلمية الاسلامية ثم ايضا لاهل الحي القريبين منه ويتذكر ابو شوشة قائلا لقد كانت صلاة الفجر مع قراءة القرآن والتواشيح الدينية تتم في هذا الجامع بصوتي وتنقل في بث حي ومباشر الى الاذاعة الاردنية وذلك في الخمسينيات من القرن الماضي.
ويتحدث الشيخ مستذكرا احد المواقف انني وفي احدى الثلجات لم يأت المصلون الى المسجد بسبب تراكم الثلوج في جبل عمان الا شخص واحد جاء وشجعني الى فتح المسجد والصلاة فيه انا واياه في صلاة الفجر، وتلك حادثة لا تنسى.
ونترك المعلم والمقرىء محمد ابو شوشة قليلا لنتابع التجوال في المسجد لنلاحظ النوافذ الحديدية القديمة والزجاج العادي غير الملون ونقترب من المنبر الخشبي المتحرك والذي لا يزيد ارتفاعه عن (5ر1) متر ونقرأ فوق المحراب القديم ما كتب عليه: «ان المساجد لله فلا تدعو مع الله احدا» صدق الله العظيم.
ونسير الهوينى حفاة على السجاد الاخضر والمخطط ببعض الالوان السكرية مما يدعو للشعور بعشق وروحانية لهذا المكان لسجاده واجوائه الدينية والصوفية المريحة للقلب والروح.
اما الطاقات الصغيرة والعالية القريبة من السقف فانها تعيدنا وتذكرنا بفن البناء الاسلامي العربي العريق، حيث سماكة الطاقة - هي نفسها سماكة جدران المسجد - وجمال الحنايا التي تعلو تلك الطاقات (النوافذ الصغيرة) بشكلها القوسي الشرقي المعروف.
وعندما يرتد نظرنا مرة اخرى الى محتويات وعناصر مسجد الكلية العلمية الاسلامية فاننا مثلا نشاهد ورقة مخططة بملاحظة حديثة جدا (اقطع اتصالك بالخلق عند اتصالك بالخالق) وهذه الاشارة او التنبيه موجهة الى اصحاب الهواتف الخلوية الداخلين للصلاة في هذا المسجد الموجود ضمن حرم الكلية العلمية الاسلامية.
ونعود للمربي الفاضل ابو شوشة والذي عمل مدرسا للتربية الاسلامية زمنا طويلا عدا عن مناصبه الاخرى، فقد عمل مدرسا في مدرسة رغدان وشكري شعشاعة والكلية العلمية الاسلامية، حيث تخرج من تحت يديه الاف من الطلبة ممن كثير منهم في مناصب عليا في الاردن الآن.
وعندما ذكرنا سبب زيارتنا واطلاعنا على هذا المسجد لمناسبة قدوم رمضان قال الشيخ: «كنت اعمل في الاذاعة الاردنية كمقرىء للقرآن منذ العام 1950 لكن وفي كل سنة في شهر رمضان فانني كنت مقرئا متخصصا بتلاوة القرآن في المسجد الاقصى بالقدس الشريف قبل العام 1967».
وعن علاقته ايضا بهذا المسجد يذكر ما يلي: «في العام 1953 استدعاني رئيس الكلية العلمية الاسلامية كي اقوم بمهنة الامام لهذا المسجد للطلاب ولسكان الحي.. وقد كنت يوميا اصعد درج المئذنة لاقوم بالاذان بصوتي الطبيعي وبدون مكبرات صوت في ذلك الزمن القديم، ورفعت الآذان ولمدة سنة كاملة في هذا المسجد الذي اعتبره جزءا من روحي وحياتي الممتدة من حب الله الى حب الله عبر ايقاع التلاوة والخشوع».
ونغادر هذا المسجد المتميز حيث يمكن للمصلي فيه ان يتوضأ بالماء البارد او الساخن وفي خارج المسجد ثمة عدد من الباعة ليلا ممن يقومون ببيع اغراضهم البسيطة وسط جو مليءبالتدين والتبتل والمحبة والسلام والصداقة ما بين المصلين من جهة وما بينهم وبين خالقهم الله سبحانه وتعالى العلي العظيم.