عمان - ناجح حسن - أثار الفيلم الروائي الجزائري الطويل (حكاية السنوات السوداء) للمخرج سالم الإبراهيمي، الكثير من أصداء الإعجاب والجدل، لدى عرضه في مهرجان دبي السينمائي الدولي الذي انهى عروضه الاربعاء الفائت.
وكانت لجنة تحكيم المهرجان قد منحت الفيلم جائزتها الخاصة، وسط منافسة ساخنة مع كثير من الأفلام العربية المشاركة ضمن مسابقة المهرجان المتنافسة على جوائز المهر.
يسرد (حكاية السنوات السوداء) وهو أول أفلام المخرج الإبراهيمي الروائية الطويلة، بعد سنوات طويلة في العمل بقطاع الإنتاج السينمائي الى جوار المخرج الفرنسي الذائع الشهرة والصيت كوستا غافراس، صاحب التحفة السينمائية الموسومة (زد)، إحدى أبرز الأعمال العالمية في السينما السياسية التي انجزت بالتعاون المشترك مع السينما الجزائرية.
قبل تحقيق الابراهيمي لفيلم (حكاية السنوات السوداء) قدم للسينما الجزائرية من اخراجه الفيلمين التسجيلين الطويلين: (عبد القادر) عن سيرة الشخصية الجزائرية اللامعة عبد القادر الجزائري في أتون حقبة زمنية مهمة من التاريخ الجزائري، والفيلم التسجيلي المعنون (افريقيا تعود) عن التنوع الثقافي في القارة الافريقية في احدى المناسبات العالمية التي نظمت بالجزائر.
أهدى الإبراهيمي المولود بلندن العام 1972، فيلمه الروائي الطويل الى ذكرى ضحايا ما اصطلح على تسميته (العشرية السوداء) التي شهدتها الجزائر مطلع عقد التسعينات من القرن الفائت، والتي استمرت طيلة عقد من السنوات راح ضحيتها ما يربو عن مائتي ألف من الأرواح البريئة بفعل التطرف.
استند الابراهيمي في اخراج فيلم (حكاية السنوات السوداء) على نص روائي ابداعي للاديب الجزائري أريزكى ميلال عاين فيه محطات ومواقف درامية خلال الفترة العصيبة التي عاشتها الحياة السياسية بالجزائر وما خلفته من ضحايا ابرياء من بين قاطني كثير من القرى والأحياء التي يسكنها اناس بسطاء فقراء وباحثين عن رزقهم اليومي بجد وتعب.
قدم الابراهيمي بهذا الفيلم معالجة جريئة غير مسبوقة في تلك الافلام الجزائرية او العالمية التي تصدت لهذه الوقائع الدامية في المجتمع الجزائري، حيث اختار المخرج تصوير احد احداثه من خلال حكاية واقعية تتكئ على عدد محدود من الشخوصفهناك الشاب الموظف ووالدته وزوجته وهناك ثمرة زواجهما طفل وطفلة يبذلان جهدهما الشاق في تربيتهما وتعليمهما وحفظ امنهما خلال ما يشهدانه من عنف بدأ ينتشر في الضواحي والاحياء القريبة منهما.
وظّف المخرج على مدى احداث فيلمه الكثير من الفواصل واللوحات الدالة على سنوات الاحداث التي تسري بالعمل جلّها من بين الوقائع والتفاصيل الحياتية اليومية بالعاصمة، ويختار اوقات وساعات تتحرك فيها مجاميع من الناس وهم يهتفون وينادون بشعارات يبذلون اقصى جهودهم في اقناع الاخرين من العابرين بوجهة نظرهم لكنها في الوقت ذاته تدلل على ما آلت اليه حال الشارع في الجزائري من تعنت وغضب وتطرف ليتوجها الفيلم في مشاهده الاخيرة بذروة من الاعمال الارهابية التي تفتك بارواح الأطفال والنساء والشيوخ على نحو صادم شديد الألم والتأثير على النفس البشرية.
سلك الإبراهيمي على منوال تلك السينما السياسية البديعة التي تبحث في استقصاء الواقع متسلحا بذلك الفهم الدقيق لوظيفة الفيلم الجمالية وخطابه الانساني فهو يقدم فيلما مليئا بلحظات التوتر والقلق والترقب ثم يتدرج فيها ليبلغ التشويق الشديد الإيلام دون خطابية زاعقة او توسل لعواطف، بل يغلفها بادوات المخرج النابه من موسيقى ولحظات الصمت البليغ في كثير من المواقف المؤلمة، بحيث تعمل على تحفيز المخيلة عبر بث أحاسيس ومشاعر تتيح فرصة التفكير بروية بكل ما جرى ويجري من أحداث جسام وما تنطوي عليه من تفاصيل وأسئلة عميقة الإشارات الدلالات.

*يمنع الاقتباس او اعادة النشر الا بأذن خطي مسبق من المؤسسة الصحفية الاردنية - الرأي.