د.يوسف بكّار

(1)
يذكر د.صابر فلحوط، صديق الجواهري(1)، أنه كان معه في جلسةٍ على سفح جبل «قاسيون» الجنوبيّ يسرّح النظر فوق جبهة دمشق المزنّرة بالغوطة وتاريخ البطولات، فقال له: «أتمنّى وتلك وصيّتي إليك أن يضمّني تراب دمشق أينّما حلّت منيّتي»(2). تبارك الخالق وجلّ شأنه، فقد حقّق للجواهري أُمنيته واستجاب لوصيته إذ جعل منيّته تواتيه بدمشق لا بأرضٍ سواها في 27/7/1997، حيث دُفن بالسيّدة زينب في مقبرة «الغرباء» إلى جانب زوجه السيدة «أمّونة».

(2)
كانت دمشق مقرّ غربة الجواهري الأخيـرة منذ عام 1983 حتى وفاتـه، إذ وجّهت إليه دعوة رسميّـة للإقامـة فيها هو وأسرتـه(3)، فرحّب بها كثيـراً، وعـزّز وأُكـرم، ومُنـح وسام «الاستقلال»(4) في 6/7/1995. كانت دمشق مدينته العربيّة الأولى التي وصفها بـِ «دمشق العرب» و»دمشق العروبة»، أمّا سورية فعدّها وطنه العربيّ الأول(5). وما الخطاب الشامي في كتاب الجواهري إلاّ هوىً في أول العشرين من القرن الماضي، وثورةٌ في أواسط العشرين، وانتفاضة في أواخر الثلاثين، وتحديّات في أواسط الخمسين، ومستقرٌ في أوّل الثمانين(6).
وكان لدمشق، عند الجواهري أيضاً، معنىً أوسع إذ كان يسحبه على بلاد الشام كافة: سورية ولبنان وفلسطين والأردن. يقول: «أتحدث عن دمشق التي رأيتها، فهناك دمشق قبل أن أراها كحلم، أعني بلاد الشام. ودمشق يأتي ذكرها عَرَضاً، ولبنان أيضاً. بلاد الشام، هذه البقعة بما فيها الأردن وفلسطين برمتها ولبنان ودمشق، لا يصدق المرء أن مدّة ساعتين بالطائرة فقط تفصله عنها، فكأنه قام برحلة إلى القمر. هكذا كنّا نتصوّر في بغداد عندما نذهب إلى دمشق. وعندنا في العراق مثل يقول (رِجْل في الشام ورجل في حلب)، أي على مسافة بعيدة جدّاً. كان لبنان جنّة ما يسمّى (بلاد الشام) في الواقع، وتأتي دمشق بعده. رأيت الشام بعيدة كالقمر، وفلسطين ذهباً مفقوداً، ودخولي لبنان غير شرعي بعد (باقٍ وأعمار الطغاة قصار)»(7).
أوَلَم يقل من قصيدة «ابن الشام»(8) في أوّل إشارة له إلى دمشق:
«إنّي شآمي إذا نُسب الهوى
    وإذا نُسبت لموطني فعراقي
قالوا: دمشق، فقلت: غانية الرُّبى
    قالوا: لذاك تطاولُ الأعناق».
ردّاً على بدوي الجبل في قصيدته التي مطلعها:
«ماذا دعاك إلى الشآم وما بها
    إلاّ معالم فُرقةٍ وشقاق؟!».

(3)
وتلا تلك الإشارة إشارة أُخرى في قصيدته «أمين الريحاني»، التي نظمها ليلقيها ترحيباً به في زيارته للنجف الأشرف عام 1922، لكنّه لم يلْقها لأن الزيارة لم تكن إلاّ لساعتين فقط.
اللافت فيها أنها معارضة لقصيدة أحمد شوقي «على سفح الأهرام»(9) التي مطلعها:
«قِفْ ناجِ أهرام الجلال ونادِ
    هل من بُناتِكَ مجلس أو نادِ؟».
والتي كرّم فيها الريحاني حين زار مصر، وأن الترحيب فيها كان تقريعيّاً قد يعدّ هو وما في الإشارة الأولى بداية الوعيّ بالهمّ القوميّ عند الجواهري(10). يقول:
«سوريّةٌ أمُّ النوابغ تغتدي
    هدف العُداة فريسة الأوغاد
تُضْحي على البلوىَ كما تُمْسي وقد
    خَفَتَ الزئير بها عن الآساد
أكذا يكون على الودِاد جزاؤها
    أو لستَ من أبنائها الأمجاد؟!».

(4)
وتلى تينك الإشارتين أُخت لهما في قصيدته «يوم فلسطين» (11)، التي نظمها -وكان في سوريّة- في الثورة الفلسطينية على الإنجليز عام 1938، فقال:
«هبّت الشام على عادتها
    تملأ الأرض شباباً حَنِقا
نادباً بيتاً أباحوا قُدْسه
    في فلسطينَ وشمْلاً مُزِّقا
برّ بالعهد رجال أُنُفٌ
    أخذ الشعب عليهم مَوْثِقا».
وجعل يستنهض «جلّق» تحديداً:
«اسمعي يا جلّقُ! إنّ دماً
    في فلسطينَ هضيماً نَطَقا
اسمعي يا جلقّ! إن دماً
    في فلسطينَ ينادي جلّقا
اسمعي، هذا دمٌ شاءت له
    نخْوةٌ مهتاجةٌ أن يُهْرقا
احْملي ما اسطعتِ من حبّاته
    واجعليها لعيونٍ حَدَقا».

(5)
وتنامى الوعي القوميّ عند الجواهري، فكان أولّ ما شدّه إلى دمشق الثورة على الفرنسيين عام 1926، فنظم قصيدته «في الثورة السورية» (463:1)، التي تلاها أحد أعضاء وفد عراقي كان يمثّل العراق في احتفال آنذاك. أوّلها (12):
«مِثْلُ الذي بكِ يا دمشـ
    ـق من الأسى والحزن ما بِي
دمعي يُبينُ لكِ الجَوى
    والدّمع عنوان الكتاب».
ووقف مقطعها الأول هذا على التّغني بدمشق تخيّلاً لأنّه لم يكن رآها بعد، والتغزل بطبيعتها الخلاّبة بلغة رقراقة مزدانة بصور بيانيّة تشخيصيّة تترجّح إيجاباً وسلباً منبجساً من عبث المستعمر وتسلّطه:
«أرأيتَ مَرْتَبَع الشِّعا
    ب بها ومصطاف الهِضاب؟
والحسْنُ تبسُطه الطبيـ
    ـعةُ في السهول وفي الرّوابي
والشمس تبدو من خِلا
    لِ الغيْم خَوْداً في نقابِ
فإذا تجلّى هزّتك رَوْ
    عة نورها فوْقَ القِباب
والرّوْضُ نشوانٌ يُعا
    طيه كؤوساً منْ شرابِ
«بردى» كأنْ بُروده
    رشفاتُ معسولِ الرُّضاب
تلك النّضارةُ كلّها
    كُسيتْ جلابيبَ الخراب».
وفي المقطع الثاني مباركة لدمشق بثورتها، وحثّ على مواصلتها:
«ثوري دمشقُ فإنّما
    نَيْل الأماني في الطِّلاب».
كأنّه كان ينداح في ذاكرته بيت شوقي:
«وما نيل المطالب بالتّمني
    ولكنْ تؤخذ الدنيا غِلابا».
على الرّغم من أنه كان يعرف أنّها عزلاء من «مُعدّات الضّراب» لكنّها مدجّجة بالحبّ والتماسك والصبر والحجر وأكوام التراب، كأنه كان يستشرف سلاح «الحجر» قبل أن يضحي سلاح المنزرعين الصّامدين في فلسطين المحتلّة. يقول بنبرة خطابيّة  استهلاليّة  تقريريّة تحريضيّة:
«بالعاطفات الحانيا
    تِ عليك وافرةُ النّصاب
ولأنت أمْنع بالنّفو
    سِ المستميتة من عُقاب
فتماسكي أو تُكرهي
    صَبْراً على حزِّ الرّقاب
سُدّي عليهم ألف با
    بٍ إنْ أطاقوا فتح باب
إن لم يكن حجر يضُـ
    ـرُّ بهمْ فكوْمٌ من تراب
لا نُكْرَ في الدنيا ولا
    معروفَ إلاّ في الغِلاب».
وأكمل الصورة في المقطع الثالث بنداء إلى الشباب السّوريّ موشىً بالمدح المغموس بعتاب مَنْ لا يُحابي في الحقّ. وكلا الأمرين استنهاض واستثارة بأسلوب بيانيّ واضح الصورة والرموز والدلالات:
«شُبّانَ سوريّا الّذ
    ين تناوشوا قِمم السّحاب
لكمُ العتاب وإنّما
    عَتْب الشّباب على الشّباب
«سوريّة» أُمّ الضّرا
    غم أصبحت مرعى الذئاب
مِثْلَ الوديع من الطيو
    ر تعاورته يد الكلاب
باتتْ بليلةِ ذي جُرو
    حٍ مستفيضاتٍ رِغاب».

(6)
وقُدّر للجواهري أن يزور دمشق أولّ مرّة عام 1938، كما يُفهم من قصيدته «يوم فلسطين» (359:3) التي نظمها وهو في سوريا، ويراها عِياناً، «وليس راءٍ كمن سمعا»، فكانت كما وصفها في القصيدة السابقة وأكثر. بيد أنّه وازن، آسفاً، في لقاء أُجري معه عام 1992 ونشر بعد وفاته، بين دمشق هاتيك الأيام ودمشق العقد الأخير من القرن العشرين موازنة تكاد تنطبق على كبريات المدن العربيّة، فقال بحسرة: «كانت المدينة غير ما هي عليه اليوم، ومن النادر أن تجد اليوم من رآها كما رأيتها أنا. فما معنى أن تشترى الأرض وترتفع العمارات على حساب رفاهية النّاس في الحقول والبساتين، وفي الطبيعة؟! حرام أن ترتفع البنايات الشاهقة لمجرد الارتفاع والتسابق على بناء البيوت والشُّقق بلا حساب، أو على حساب طبيعة دمشق ورفاهيتها وجمالها نفسه! دمشق الأولى أتمنّى أن تعود ولو تهدم ألف عمارة. هل ثمن العمران أن تُخنق المدينة؟! البقع الخضراء راحت، وهم يزحفون على الغوطة التارخيّة، ودمشق لا تُذكر إلاّ بالغوطتين!»(13).

(7)
وفي عام 1938 زار الجواهري لبنان ثم دمشق حيث أقام له جمع من شبّانها حفلاً تكريميّاً، فاهتبلها فرصة وألقى قصيدته «إلى الشباب السوريّ» (153:3)، التي حيّاهم فيها ودعاهم إلى اللُّحْمة وتوحيد الصفوف للتصدّي للمستعمر الفرنسي مركّزاً على الحال التي آلت دمشق إليها زيادة في التحريض والاستنهاض، فقال:
«حيِّ الصفوف لرأب الصّدْع تجتمع
    وحيّ صرخةَ أيقاظٍ بمنْ هجعوا
إنّ الشبابَ جنودَ الله ألّفهمْ
    في «الشام» داعٍ من الأوطان مُتّبع
دمشقُ لم يُبْقِ منك الدّهر باقيةً
    إلاّ الذي في تَوَقِّي غيره ضَرَع
فما انتظارك ميْتاً لا ضميرَ له
    حَزْماً فلا الخوف ذو شأنٍ ولا الطّمع».
وانعطف إلى الثورة السوريّة التي رمز إليها بـِ «العاصفة» وإن أمعن المستعمر، بعدها، تخريباً في دمشق وضواحيها:
«نُبئتُ في الغوطة الغنّاء عاصفةً
    مرّت على بردى فالتاث مورده
فقلت: لا ضَيْر إن كانت عجاجُتها
    تكاد تجتثّ ما فيها وتقتلع
وبالغياض فلا حُسْنٌ ولا مَرَع (14)
    عن غَضْبة البلد المسلوب تنقشع».
وسلّط الضوء على دمشق، فأثنى على شبابها من جديد، وأسبغ عليها غير لقب وكنية وصفة، فهي «الأُم» و «أُمّ البلاد» و«قلب العروبة» و «جنّة الخلد» فقال:
«أمَّ البلاد التي ما ضِيم نازلها يوماً
محميّةً بالأصمّ الفرْد تحرسُه
مِثْلَ النسور إذا ما حَلّقوا رَهبوا
    ولم يَدْنُ منها العار والهَلَع
غُلْب الرّجال على الآجال تقْترِع (15)
    والموتُ مِلءُ خوافيهمْ إذا وقعوا».
وقال:
«دمشقُ يا «أمُّ» إن الرأي محتفِلٌ
    والعزْم محتشِدٌ والوقت مُتّسِع
وطوْع أمرك أجناد مجنّدةٌ
    إلى «العروبة» بعد الله تنقطع
يغنيك عن وصف ما يَلْقَوْن أنّهمُ
    خوفاً عليك، ولمّا تُفْجعي، فُجعوا».
ولمّح تلميحاً احتمالّياً من خلال «قد» التشكيكيّة أن ينتصر العراق لسوريّة، لشدّة مفارقة المباهج والنشوة وجْداً وحزناً وهلعاً، عبر حلب الأقرب إليه لطرد «ضيفنٍ» بغيض ثقيل الظلّ بشع الوجه غير محتشم كما كان يقول المتنبي في الشيب. يقول الجواهري:
«وقد يكون قريباً أن ترى حلبٌ
    خيلَ العراق قُبيل النَّجْع تنتجع
ثقي دمشقُ فلا حدٌّ ولا سِمَةٌ
    ولا خطوطٌ -كلعْب الطفل- تُبتدع
تقصيك عن أرض بغدادٍ ودجلتها
    أمّا «الفراتُ» فنبْع بيننا شَرَع
هذي مباهجُ بغدادٍ ونشوتُها
    وجْداً عليك، فكيف الحزنُ والهلع؟!
يا «جنّة الخلد» لو لم يؤذِ نازلَها
    ضيف ثقيلٌ عليها وجهه بشع
بادي المخالب وحْشٌ لم يلدْه أب
    لكنّه في ديار الغرب مخْتَرَع!
دمشقُ إنّ معي قلباً أضيق به
    يكاد من خلجات الشوق ينخلع».

(8)
وذهب الجواهري إلى دمشق في العام 1944 مصطافاً، وتنقّل بين سوريّة ولبنان شهرينِ، ولمّا كان يوشك أن يعود إلى العراق طُلب إليه فجأة، ولهذا الطلب قصّة (16)، أن يشارك مع طه الراوي ومحمد مهدي البصير في مهرجان الذكرى الألفيّة لأبي العلاء المعريّ الذي أقامه المجمع العلمي العربي بدمشق (مجمع اللغة العربيّة الآن)، فاستجاب بعد تردد، وأنجبت قريحته بعد حِرانٍ وتحيّر بين زحلة ودمشق مطوّلته البائيّة العصماء (251:1)، التي تعالق فيها مع عدد من قصائد أبي العلاء المشهورة، فقال:
«قِفْ بالمعرّة وامسحْ خدّها التّرِبا
    واستوْحِ من طوْق الدنيا بما وهَبا
واستوحِ مَنْ طيّب الدنيا بحكمته
    ومَنْ على جُرْحها من روحه سكبا».
إنّها القصيدة التي قال هو فيها «تبوأتْ تاج قصائدي، وملكت شغاف قلبي، وضفاف مشاعري، وأصبحت المولود الذي انتظرته بفارغ الشوق والصبر واللهفة» (17).

(9)
وفي سنة 1956 دعته قيادة الجيش السوري للمشاركة في ذكرى مصرع الشهيد عدنان المالكي، فسافر إلى دمشق واستُقبل بحفاوة، ولمّا أزف موعد الاحتفال فاجأ الحضور بهمزيتّه الصاعقة «خلّفت غاشية الخنوع» (117:1)، فقال (18):
«خلّفت غاشية الخنوع ورائي
    وأتيت أَقبِس جمْرة الشهداء
خلّفتها وأتيت يعتصر الأسى
    قلبي وينتصب الكفاح إزائي».
القصيدة، وإن خُصصت لعدنان المالكي مدحاً وإشادة ورثاء، لا تخلو من إشارات إلى دمشق محبوبة الراثي والمرثي عزّة ونضالاً وصمْداً، كقوله:
«قد قلت للإلف الخدين يُدلّني
    أنّى تكون معالم الفيحاء؟».
وقوله:
«عوّذت جِلّق بالضحايا جمّةً
    من كيْــــــــــد همّاز بها مشــــــــــّاءِ
من سائرينَ القهقرى لم يعرفوا
    بين الجهات الستّ غيرَ وراء».
وقوله:
«يا شامُ يا لَمْح الكواكب في دُجىً
    يا موكب الأعراس في صحراء
يا موئل الذكرى يغطّي أرضها
    وسماءَها حشْد من الأصداء
لله أنتِ أكلُّ يوم حاشدٌ
    برجولة ومروءة وفَتاءِ؟
في أيّ جوٍّ عابسٍ لم تُسْفري
    ريّا الجِنان نديّةَ الأضواء؟
قُدُماً دمشقُ لسُنّةٍ عُوِّدتها
    في الحمد من عَوْد على إبداء
أنفاسُك الرّوْحاءُ هُنَّ بقيةٌ
    للمجد من أنفاسك الصُّعداءِ».
وكانت القصيدة، لما حوته من دعوة إلى التّصدي لحلف بغداد؛ السبب في أن يطلب الجواهري اللجوء السياسي في دمشق، فكان له ما أراد، ثم التحقت به أسرته، وأُسندت إليه وظيفة شكليّة شرفيّة في أسرة تحرير مجلة «الجندي» التي كان يصدرها الفرع الثقافي في القوات المسلّحة السوريّة. بيد أنّه ترك دمشق بعد إقامة قرابة عام ونصف العام (19).
وفي عام 1957 ألقى قصيدته «ذكرى المالكي» (523:2) في حفل إحياء الذكرى الثانية لعدنان المالكي، وقال:
«ترنّحتْ من شكاةٍ بعدك الدّار
    وهبّ بالغضب الخلاّق إعصار».
وهي طويلة جدّد فيها الكلام على المالكي وبطولاته وذكراه، وأشاد بالجيش، وذكّر بأمجاد الشام وعزّتها. وحلّى الخاتمة متغنيّاً بدمشق وما لقيه فيها من كرم الوفادة، ومعبّراً عما يكنّه لأهلها من محبّة بتكرير «دمشق» تكريراً نغميّاً تأكيديّاً:
«دمشْقُ كلّك ألطاف وَتكْرِمةٌ
    للنازليــــك وإيــــــــلاف وإيثـــــــــــار
دمشقُ لي في رُباك الخُضْر جمهرةٌ
    همُ ليَ الأهل والجيران والدار
أحببتهم وأحبّوني كما امتزجت
    فيمــا تجــــــــــاوبُ أنغام وأوتــــــــــار
دمشقُ لم يأتِ بي عيشٌ أضيق به
    فَضَرْع دجلةَ لو مسَّحْتُّ درّار».
ونظم في العام نفسه قصيدته «بكرتْ جلّق» (207:3)، التي ألقى قسماً منها في مظاهرات انطلقت بدمشق احتجاجاً على إرغام الفرنسيين طائرة الزعيم الجزائري أحمد بن بلّه ورفاقه على التوجه إلى فرنسا لزجّهم في سجونها، وتحية إلى دمشق وجموع السوريين لوقفتهم العروبيّة، بأسلوب إخباريّ تقريريّ مواتٍ للمناسبة وجوّها العام:
«رنّ في القلب فهزّ المسْمعا
    إنّه داعي المروءات دعا
بكرَتْ جلّق ترمي كِسَفاً
    من أواذيها وتُزْجي دُفَعا (20)
الشباب الحيّ ما أعظمه
    دافعاً شِيْبَ الحمى مُنْدَفِعَا
والجموع الحُمْس ما أغضبها
    وَهْيَ في غَضْبتها ما أروعا (21)
أُمّةٌ سوف تُري خالقَها
    أنّها قد خُلِقت كي تُبْدِعا
تصنعُ المعْجزَ شتّى أمرُها
    كيف لو حُمّ لها أن تُجْمعا؟! (22)».
ونظم في خلال إقامته هذه المدّة بدمشق عدداً من القصائد القوميّة وغير القوميّة، هي: «بور سعيد» (565:3)، و «الجزائر» (215:3)، و «رجُل» (273:3)، و «كم ببغداد ألاعيب» (235:1)، و «الناقدون» (251:2)، و «وحي الموقد» (509:1)، و «وخْط الشيب» (375:4)، و «قُبيل الموت مات» (37:2).

(10)
وزار الجواهري في عام 1978 دمشق ضيفاً بدعوة من وزيرة الثقافة حينئذٍ د.نجاح العطّار، فألقى قصيدته «دمشق يا جبهة المجد (321:3) في قاعة «سينما الحمراء»، التي عاد فيها إلى «سيمفونيّة» حبّ دمشق مشيداً بناسها ومترنّماً بطبيعتها التي طالما عزف على أوتارها، ومذكّراً بأمجادها السالفة، ومزهوّاً بحاضرها العروبيّ الوهّاج، دون أن ينسى ذكرياتٍ له مع الأصدقاء والسمّار في مقاهيها ونواديها ومحافلها:
«شممتُ تُرْبكِ لا زُلْفى ولا مَلَقا
    وسِرْتُ قَصْدك لا خِبّاً ولا مذِقا (23)
وما وجدتُ إلى لُقْياك منعطفاً
    إلاّ إليكِ ولا ألفيْت مُفْترَقا
كنتِ الطريقَ إلى هاوٍ تُنازعُهُ
    نَفْسٌ تسدُّ عليه دونها الطُّرُقا
وسرت قصْدكِ لا كالمشتهي بلداً
    لكنْ كمن يتشهّى وجه من عَشِقا
قالوا: دمشقُ وبغدادٌ. فقلت: هما
    فجرٌ على الغد من أمسيهما انبثقا».
ثمّ وجد متّسعاً لأن يبثّ «جلّق الشام» أو «دمشق» مكرّرة تكراراً نغميّاً عاطفيّاً آسراً بعض همومه وأحزانه، وأن يوازن -وكان عمره سبعة وسبعين عاماً- بين ما كان فيها أيام الهوى والشباب والوقت الحاضر (1978):
«يا جلّقَ الشام والأعوام تجمع لي
    سبعاً وسبعين ما التاما ولا افترقا(24)
يا جلّق الشام إنّا خِلْقةٌ عجبٌ
    لم يدرِ ما سِرُّها إلاّ الذي خَلقا
إنّا لنخنق في الأضلاع غربَتنا
    وإن تنزّتْ على أحداقنا حُرَقا
يا جلّق الشام كم من مطمحٍ خَلَسٍ
    للمرء في غفلةٍ من دهره سُرِقا (25)
دمشقُ عشتك ريعاناً وخافقةً
    ولُمّةٌ، والعيونَ السودَ والأرقا (26)
وها أنا ويدي جِلْدٌ وسالفتي
    ثلجٌ ووجهيَ عظم كاد أو عُرِقا (27)
وأنتِ لم تبرحي في النفس عالقةً
    دمي ولحمي والأنفاسَ والرَّمقا
تُموِّجينَ ظلال الذكريات هوىً
    وتُسْعدين الأسى والهمّ والقلقا
فخراً دمشقُ تقاسَمْنا مراهقةً
    واليوم نقْتسم الآلام والرّهقا
دمشقُ صبراً على البلوى فكم صُهِرتْ
    سبائك الذّهب الغالي فما احترقا
دمشق كم في حنايا الصدر من غُصصٍ
    لو لم نَدِفْها بمُرّ الصبر لاختنقا (28)».
وفي عام 1978، كذلك، أنشد قصيدته «سيّدتي نجاح» (267:5) في حفل التكريم الذي أقامته له نجاح العطّار نفسها في كانون الثاني 1978، فقال، بدءاً، مسلّماً شاكراً:
«أحبّتي الذين بهم تُسرّى
    هموُم النّفس في البرْح العصيبِ (29)
سلام الله ما خفقت غُصونٌ
    مرفرفةٌ على المرْج الخصيب
أشعتم فيّ روحاً من جديدٍ
    وفرّجتم عن الوجه الكئيب
ونؤت بشكركم وكم استقلّتْ
    بِغَلِّ يد المُثابِ يدُ المثيب (30)».
ثمّ ثنّى بحوار شعريّ بينه وبين نفسه عن دمشق يشفّ عن مدى تعلّقه بها حتّى إنه حاول، بمفارقة ثنائية ضديّة، أن يثنيها عن هواها كيلا تغرق، من بعدُ، في شكاة المحبّ ووجده، غير أنها أبت أن تتوب عن دمشق بعد أن عبّد هو نفسه الدرب إليها فاشتبكا في هوى يُصْلي ويصطلي:
«نهيْتُ النّفس تغرَق في هواها
    فتغرقُ في الشكاة وفي الوجيب
وقلت لها: نذيركِ ما تبقّى
    على شِغاف قلبك من نُدوب
وحسبُكِ ما لقيتِ بأن تَكُفّي
    عن الموت البطيء وأن تتوبي
فقالت: لن أتوبَ وفي دمشْقٍ
    هوىً أُصلى عليه ويصْطلي بي
أتوب؟ وأنتَ قد عبّدت دربي
    فضاعَ عليّ مُفْتَرقُ الدّروب
وعندي بالذي آتِي شفيع
    على ما فيّ من زلَلٍ وحوب (31)».

(11)
وفي 28/11/1980 أرسل الجواهري من مهاجره الثالث «براغ» إلى صديقه صابر فلحوط، وكان نقيباً للصحفيين السوريين، قصيدته «دمشق» (163:4)، التي عَمَد إلى أن يظلّ «عبق الشام» يضوع منها في تقنية بديعة وحدّ فيها مطلع القصيدة ومقطعها: فقال:
«أبا عُمرٍ، وإن قلّ السّلامُ
    سلامٌ مثلما عَبَقتْ شآم».
وهو، وإن كرّس جلّها للشوق إلى صديقه ومدحه ووصف الحال والتّشكي من الغربة والزمان وأهيله -بتعبير المتنبي- وتقدّم العمر ومبتلاه، فقد بثّ دمشق مجدّداً لواعج وجْده وعشقه الذي عاصاه السّلو، وشدّد على عروبتها وأصالتها وَمَنَعِتها بصور تشبيهيّة أصليّة وتشخيصيّة فرعيّة هي الأقوى وإن تكن وليدة الأولى:
«ووجْدٌ يا دمشْقُ هو الضِّرامُ
    ظمِــــــيءٌ لا يُبَــــــــــلّ لــــــــــه أُوامُ
وعِشْقٌ دبّ في جسدٍ وروحٍ
    رضيعُ دمٍ فليس له انفطام
إذا رُمْتُ السُّلوَّ تخطّفتني
    طيوفٌ لا يشّقُ لها زِحام
دمشقُ عروبةٌ ودمشق درْعٌ
    لها ودمشقُ فيصلها الحُسام
على فمها الحُداءُ ومِنْ خُطاها
    مصائرها وفي يدها الزِّمام
يغَصُّ بمُرِّ علْقمها اللئام
    ويحتضن الكريمَ بها الكرام
وتُثْقِلُ من كواهلها الدّواهي
    فتنفُضها ويعتدِل القَوام».
فما كان من الشاعر فلحوط إلاّ أن ردّ على صديقه الجواهري بمطوّلةٍ «ميميّة» أيضاً، عنوانها «أبو فرات»، ثم بعث بها إليه في براغ؛ ومطلعها (32):
«أأبا (33) الفرات تحيّتي ألمُ
    حيث الحناجِرُ كالجراح دمُ».
ولم يتوانَ الجواهري في أن يعارضه بقصديته «أأبا المهنّد»(34) (303:5)، التي لا تقلّ عن سابقتها شكوى خاصّة وعامّة على أمته التي تساءل عنها متعجّباً كأنه كان يستشرف حالها الآن، والتي تهب من خلالها نسائم من خدينيه الأثيرين المتنبي قديماً وعمر أبي ريشة حديثاً:
«أفأُمةٌ هذي التي هُزمتْ
    وتناثرت فكأنها أُمم؟!
يسطو على صنمٍ بها صنمٌ
    ويغار من عَلَمٍ بها عَلَم!
ويساومون على شعوبهمُ
    أعدى الخصوم كأنهمْ حَكم
أمشرّدون وأرضهم ذهبٌ
    ومجوّعون ونبْتها عمم؟!
أأبا مهنّدٍ شرُّ من حكموا
    ما كان لولا ذُلُّ مَنْ حُكِموا
ماذا على الراعي إذا اغتُصبتْ
    عنزٌ ولم تتمرّدِ الغنم؟
يا أيّها «الطاعونُ» حُلّ بنا
    وبمثْل وجهك تكْشفُ الغِمم!».



هوامش


(1) سوري ولد في السويداء عام 1936؛ متخصص في الآداب والتربية. عمل في التدريس والصحافة والإعلام والتوجيه المعنوي وسفارة سورية في صوفيا، وكان نقيباً للصحفيين. له مجموعات شعرية ومؤلفات (راجع: عبد القادر عيّاش، معجم المؤلفين السوريين في القرن العشرين 401-402. دار الفكر، دمشق، 1985).
(2) خيال الجواهري: الجواهري سيمفونية الرحيل، ص98. وزارة الثقافة، دمشق، 1999.
(3) الجواهري، سيمفونية الرحيل، ص9.
غير أن محمد جواد رضا يذكر أن الجواهري غادر العراق في الأول من أيّار 1979 إلى دمشق ليموت فيها «عراق الجواهري... جواهري العراق»، ص127 و15 كذلك. دار الكنوز الأدبيّة، بيروت، 2003.
(4) صباح المندلاوي: في رحاب الجواهري: حوارات ومقالات وقصائد، ص97. دار علاء الدين، دمشق، 2000.
(5) محمد حسين الأعرجي: الجواهري: دراسة ووثائق، ص435 و 436 و 437. دار المدى، دمشق، 2002.
(6) حسن العلوي: الجواهري ديوان العصر، ص208. وزارة الثقافة، دمشق، 1986.
(7) محمد علي فرحات: تداعيات عن المدن والرجال. في: «الجواهري سيمفونية الرحيل»، ص48-49. المقصود بـ «باقٍ.... قصار» قصديته «عبد الحميد كرامي (649:2) التي ألقاها في تأبين عبد الحميد كرامي ببيروت عام 1950، ومطلعها كاملاً:
باقٍ، وأعمار الطغاة قصار،
    من سِفْر مجدك عاطرٌ فوّار.
وقد كان لها صدىً بعيد، وبها طرد الجواهري من لبنان.
(8) محمد مهدي الجواهري: الأعمال الشعريّة الكاملة، 79:1. دار الحرية، بغداد. ط2: 2001.
(9) الأعمال الكاملة: الشوقيات 113:1. تقديم محمد عبد المطلب. المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2007.
(10) انظر، كذلك: محمد حسين الأعرجي: الجواهري: دراسة ووثائق، ص39.
(11) ديوان الجواهري 359:3. أشرف على طبعه د.عدنان درويش. وزارة الثقافة، دمشق 1984. وأكتفي بعد هذا، بذكر رقم الجزء والصفحة بين قوسين في متن البحث بعد عنوان القصيدة.
(12) الجواهري سيمفونية الرحيل، ص49.
(13) الجواهري سيمفونية الرحيل، ص50.
(14) الغياض: جمع غيضته، وهي مجتمع الشجر في موضع تسرّب المياه. المرع: الخصب والنّماء.
(15) الأصم الفرد: الجبل الذي يدور على دمشق وسائر الحدود السوريّة.
(16) راجع في الموضوع كلّه: الجواهري، ذكرياتي، 409:1-420. دار الرافدين، دمشق، 1988.
(17) ذكرياتي، 218:1.
(18) راجع في القصيدة وتداعياتها ورموزها: الجواهري جدل الشعر والحياة، ص228-231؛ والجواهري ديوان العصر، ص312-313؛ وزاهد محمد زهدي: الجواهري صنّاجة الشعر العربي في القرن العشرين، ص279-280. دار القلم، بيروت، 1999.
(19) الجواهري سيمفونية الرحيل، ص157-158، وفي رحاب الجواهري، ص94-95، والجواهري جدل الشعر والحياة، ص93 و230.
(20) الكِسَف: جمع كِسْفة، القطعة من الشيء. الأواذي: مفرد آذيّ، وهو الموج.
(21) الحُمْس: مفردها أحمس، أي المتحمّس.
(22) حُمّ: قُدّر.
(23) الخِبّ: المخادع. المَذِق: الذي لا يخلص الودّ.
(24) التاما: التأم الشمل.
(25) الخلس: المختلس.
(26) اللُّمة: الأصحاب.
(27) عُرق العظم: أُكل ما عليه من لحم.
(28) نَدِفها: نمزجها.
(29) البرح: الشدّة والمشقّة والشرّ.
(30) استقلّت: استبدت.
(31) الحوب: الإثم.
(32) القصيدة مثبتة في ديوان الجواهري، 311:5.
(33) في الأصل: «أبا». وقد يكون الخطأ طباعيّاً.
(34) هذا ما ذكره حسن العلوي (الجواهري ديوان العصر، ص317)، وعبد الحسين شعبان الذي أثبت القصيدة كاملة (الجواهري جدل الشعر والحياة، ص353-355). أمّا محمد جواد الغبّان، الذي أثبت أكثر أبيات القصيدة، فيذكر أن الجواهري بعث بها إلى صديقه د. هدي المخزومي الذي يُكنّى بأبي المهنّد أيضاً (الجواهري فارس حلبة الأدب، ص228-232. دار المدى، دمشق، 2006).