ابراهيم العجلوني

اظهرني الصديق الاستاذ يوسف سليمان على جانب من رسالة له في «المنطق والذائقة والتأمل». وبقدر ما شدّني علو الاسباب وقوة العارضة في كلام الاستاذ يوسف؛ الا انني وجدتني في حال من التساؤل المؤرق حول مستقبل كل من المنطق والذوق والبصيرة في حياتنا الادبية. وحول قلة بل ندرة من يُعنّي نفسه بأيّ منها من عامّة المشتغلين بالأدب وخاصتهم؛ ذلك بأن ما نحن فيه من مزاورة عن هذه المطالب العالية وما نتنكبه من شروطها مُفضٍ بنا، لا ريب، الى اضطراب عظيم في عقولنا، والى خسران مبين في الموازين التي تضبط مجتمعنا ان يتناثر مجتمعات متدابرة وبيئات متناكرة او ان يكون امره فرطا.
واذا كان للمنطق قواعده كما ان للنحو قواعده؛ وكان ذلك مما يمكن تعلمه او الظهور عليه؛ فإن الأمر مختلف بالضرورة مع الذائقة ومع التأمل على نحو ما يذهب اليه الاستاذ يوسف سليمان.
وفي الحق ان ثمة مسائل دقيقة تستوقف الناظر في جملة ما يذهب اليه صديقنا في رسالته آنفة الذكر، واول ذلك انه لا يوجد منطق موحد او منطق عام يمكن للناس الركون اليه، فهناك المنطق الصوري (الأرسطي) وهناك المنطق التجريبي، وهناك المنطق الرمزي، والمنطق الرياضي، وهناك المنطق الوضعي بأشكاله وتفريعاته. وهناك الى جانب ذلك كله منطق اللغة وما تختص به أُمّة دون أُمّة من قواعد ذاتية فيه. ومن يقرأ المناظرة التي جرت بين ابي سعيد السيرافي وبشر بن متّى حول المنطق الارسطي اليوناني ومنطق العربية او «نحو العربية» يطلع على جوانب من تميز العربية في منطقها الداخلي. وكل هذا البحر الزاخر «منطق» على اختلاف تجلياته، وكُلّه مما يمكن تقعيده وتقنينه وتدريسه، لكنه، وان افاد مهارة في التفكير قد لا يفي بأشواق العباقرة الى تجاوز انماطه السائدة او ثوابته التي تعجز عن مواثبة العقول.
واذا كان بعض اعلام الفكر العربي قد ركنوا الى المنطق الاغريقي مثل الفارابي وابن سينا، فان بعضهم قد وقفوا من موقف الناقد كما هو الامر مع ابن تيمية في كتابه الفذ «الرد على المنطقيين».
ولقد يتخلق من مداومة الأقيسة المنطقية «ذوق» عقلي كما يتخلق من مداومة النظر في الآداب «منطق» نقدي او ذائقة صَنّاعٌ تأتي بأحكام مُعَلّلَةٍ على أجناس الأدب وألوان التعبير.
على ان ذلك لا يكون بادئ الرأي او من ايسر سبيل، اذ لا بد فيه من المشقة والجد والمثابرة وقد قال المتنبي في اثر الجهد
لولا المشقة ساد الناس كلهم
        الجود يفقر والاقدام قتال
ولربما كان فيما وقع بين ابي نواس والنظام المعتزلي لاول اشتغال الحسن بن هانئ بالشعر، ما ينهض دليلا على ان الذائقة انما تأتي مستوية على سوقها بعد تطاول المواجهة مع النصوص الأدبية، فهي ثمرة هذه المواجهة، واكلها الجَنيُّ، فقد ذهب الفتى ابو نواس الى ابراهيم بن سيار النظام يقول له اني اريد ان اكون شاعرا فماذا اصنع؟ قال النظام للشاعر الفتى (وليت شعراءنا يفيدون من ذلك): اذهب فاحفظ عشرة آلاف بيت من الشعر، وما ان حفظ ابو نواس هذه الابيات حتى عاد الى النظام يُعلمه بذلك. قال النظام: اما وقد حفظتها فان عليك الآن ان تنساها.
وعلى ما في هذه الواقعة من طرافة؛ الا انها تتضمن «نظرية» في تشكل الذائقة، تقوم على العكوف المليّ على مواجهة الانموذجات الادبية، حتى اذا أُشِربَتْها النفس، وباتت جزءا منها، امكن لنا ان نقول إن لصاحبها «ذائقة» كما امكن لنا الجزم بان ثمة «معايير» تشتمل عليها هذه الذائقة، او «منطق» تحتكم إليه..
وكذلك هو الامر مع تطاول القراءة الفكرية، فانها تثمر منطقا لصاحبها وقدرة على محاكمة الافكار ومعرفة صحيحها من سقيمها. وقديما قيل ان كتب الجاحظ تعلم العقل والادب، فعسى الله ان يكون لنا منهما النصيب الاوفى، او ان نكون، في اقل تقدير، من يتوقون الى ذلك او يسعون سعيهم الجاد فيه.