أبواب - وليد سليمان - التاريخ هو بأوسع معانيه هو قصة ماضي الإنسان، أو هو عرض منظم مكتوب للأحداث، وخاصة تلك التي تؤثر في أمة ما، او هو نظام او علم أو فن.. يسعى إلى إيضاح أسباب هذه الاحداث ودلالاتها، ويعرضها على نحو يدل على تشابكها معاً.
ويستعين التاريخ بالآثار و»الروايات» والمعاهدات والمذكرات..

الظروف الصعبة!
«أبواب الرأي» التقت أستاذ التاريخ القادم من الناصرة الدكتور محمود يزبك، رئيس قسم تاريخ الشرق الأوسط في جامعة حيفا يُدرس فيها التاريخ الفلسطيني.
وكان سؤالنا الأول: لماذا اتخذت هذا التخصص التاريخ دراسةً وتدريساً؟! فرد موضحاً: السبب هو عدم معرفتنا نحن العرب هناك لتاريخنا الفلسطيني والعربي بشكل واضح وصحيح، وذلك لأن الحكومات الإسرائيلية عملت على محاولة أسرلة الفلسطينيين من خلال المناهج الدراسية للطلاب العرب هناك، وذلك لخلق تعاطف مع اليهود، على حساب تغييب أي إنتماء عربي لهم عبر المناهج الدراسية.
ففي كتب اللغة العربية يضعون نصوصاً ليس فيها أي إنتماء عربي، بل يركزون على قصص وشعر الغزل الرومانسية العربية وعلى الأدب اليهودي.. لكن المجتمع العربي من خلال الأهل والمنزل كان يرفض ذلك، ويتعلم الطلاب والطالبات عن تاريخهم وآدابهم عن طريق شخصي ومن الذاكرة العائلية.. فقد كنا محاصرين ونعيش ظروفاً صعبة في الفترة ما بين 1948 – 1967.
وكنا في تلك الفترة السابقة مقطوعين عن الثقافة العربية والانتاج الأدبي العربي، والمطابع العربية قليلة جداً ومراقبة كثيراً.
ومن الظروف الصعبة تلك أن من بقي في فلسطين بعد العام 1948 من العرب كانوا الأقل ثقافة ورئاسة واقتصاداً.. فإنهم ومع ذلك ظلوا متمسكين بمشاعرهم الفلسطينية والقومية العربية، وقد فشلت المخططات الإسرائيلية في هدم إنتمائنا العربي.
وكان عدد الطلاب الدارسين في الجامعات الإسرائيلية بالعشرات فقط؛ حتى أن عدد المعلمين العرب في المدارس والجامعات هناك قليل جداً وذلك بشكل مقصود!! رغم أن الخريجين المؤهلين من العرب زادوا بشكل ملحوظ بالنسبة لعدد العرب هناك.. فهم حوالي من 20% يهود إسرائيل، فأين هي الديمقراطية والمواطنة التي تتشدّق بها «إسرائيل»؟!.

التواصل بعد 1967
فبعد عام 1967 صار هناك تغيير في البنية الثقافية والاجتماعية حيث تم لقاء جديد مع ابناء الضفة الغربية وغزة، حيث التقت العائلات التي كانت مقطوعة عن بعضها البعض. وانتقلت الثقافة من المؤسسات في الضفة الغربية إلى العرب الفلسطينيين في مناطق 1948 وهنا ظهر عنفوان جديد رغم الاحتلال وأصبح التواصل ممكناً مع أبناء الشعب الواحد، كذلك التواصل الثقافي والمعرفي وزاد الشعور القومي العربي لدى ابناء الخط الأخضر في تلك الفترة وحتى الآن.

البيوت والأنسنة!
وفي نهج إبداعي بكتابة التاريخ العربي الفلسطيني أخذ المؤرخ د. محمود يزبك، خريج جامعة أكسفورد البريطانية، يذهب نحو أهمية التاريخ الاجتماعي أكثر من السياسي!! وذلك لأهمية جذب القارئ والباحث عن تاريخ أهل هذه الأرض الفلسطينيين.
ويقول د. يزبك: إن أسلوبي في الكتابة التاريخية أخذ أسلوب القصص حيث أبني عليها سردية تاريخية علمية – كما كان يفعل اليهود عند حديثهم عن الهولوكست الذي يتحدثون من خلاله عن قصص شخصية وبيوت ومنازل اليهود.

قصة منزلين!
لقد قمت بأنسنة البيوت التي كانت تسكنها العائلات الفلسطينية قديماً التي أصبحت مهجرة في بلاد العالم إنه الشتات الفلسطيني.
لذا قام د. يزبك بدراسة التاريخ الاجتماعي لمنزلين لعائلتين هما: عائلة «الشبلاق» وعائلة «السويدان» في مدينة حيفا، حيث مثلت تلك الدراسة والتأريخ الاجتماعي لهما «التراجيديا الفلسطينية».
فبيت الشبلاق يقع في أعالي حيفا على خط التماس بين العرب واليهود. وفي الحرب العالمية الثانية ترك الشبلاق صاحب هذا البيت (عمارة من عدة شقق وغرف) ورجع إلى بيته هذا عام 1945 بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية، وكان يؤجر في منزله الضخم هذا بعض العائلات العربية واليهودية.
لكن في العام 1948 ترك منزله مرة أخرى وسافر إلى نابلس ريثما تهدأ الأمور ويعود إلى منزله، لكن خروجه من حيفا كان بلا عودة. وتمت مصادرة المبنى هذا بحجة أنه من أملاك الغائبين، والآن تسكنه عائلات يهودية.
وقبل سنوات عاد ابن الشبلاق وزار بيت والده، والتقى بامرأة يهودية كانت صديقة لوالدته، وكانت المرأة اليهودية قد استقبلته استقبالاً جيداً.. وقال لها سوف أعود في المساء برفقة أولادي كي يشاهدوا بيت جدهم فرحّبت بذلك.. لكنها بعد ساعات اتصلت به وقالت له هناك من أمرني بعدم استقبالكم.. ورجاء أن لا تأتي مرة أخرى..!!.

حدث في الثلاثينيات
وكان أن امرأة يهودية أخرى قديماً في ثلاثينيات القرن الماضي استأجرت غرفة في بيت الشبلاق، وكان أبوها مريضاً، وطلب منها أن يسكن معها حتى تقوم على رعايته، فرحّب الشبلاق بذلك، ولكن لا يوجد متسع في الغرفة الوحيدة، فأشار عليها صاحب البيت العربي الشبلاق أن تستغل برندة البيت وتعمله غرفة صغيرة لوالدها ليسكن فيها.. وكان ذلك، لكن السلطات الحكومية أرسلت للشبلاق إنذاراً بمنع تغيير مكونات المبنى!! وأنه سيدفع غرامات مالية على ذلك!! فوافق الشبلاق على دفع الغرامات دائماً حتى لا يرحل الرجل العجوز! حتى توفاه الله.
ومع كل ذلك فإن هذا البيت والمبنى الضخم أُخِذَ من صاحبه وكأنه ليس له، وصار مُلكاً للحكومة «الإسرائيلية»!!، فأين هي المساواة والديمقراطية.

التاريخ ما بعد الثمانينيات
والتاريخ للدكتور الباحث والمؤرخ د. يزبك يعني «المجتمع»!! فقد انشغل المؤرخون والدارسون الفلسطينيون قديماً وحتى منتصف ثمانينيات القرن الماضي بكتابة التاريخ السياسي للقضية الفلسطينية، وأهملوا الجانب الأهم وهو التاريخ الاجتماعي للمجتمع الذي تم تدميره أي تدمير الأنسنة!! وهذا راجع لعدم المساواة والتكافؤ والمقدرة ما بين المؤسسة الأكاديمية الإسرائيلية الكبيرة والمؤسسة الأكاديمية العربية الفلسطينية، بسبب الظروف المالية والاقتصادية والحرية التي يعاني منها الفلسطينيون هناك.
فقد استطاعت «إسرائيل» أن تسوّق السردية التاريخية «الإسرائيلية» الخاطئة في العالم على حساب غياب للسردية الفلسطينية للمجتمع الفلسطيني المضطهد من كل النواحي.
وما بعد منتصف الثمانينيات بدأ التاريخيون العرب والفلسطينيون ينتبهون لذلك، مما جعل هذا يُغيّر من المعادلة السابقة.

قانون قعدان
وكان المؤرخ والأكاديمي د. محمود يزبك رئيساً لجمعية (عدالة) وهي للدفاع عن حقوق الفلسطينيين في الداخل وهي جمعية حقوقية، استطاعت أن تغير مجموعات قوانين تمييزية ضد العرب، ومن أشهر إنجازاتها هو (قانون قعدان)!!.
وقصة قعدان أنه شخص عربي أراد شراء شقة في مستوطنة تلك التي أُقيمت على ارض قريته (باقة الغربية).. وبعد كفاح (9 سنوات)، وسُمِحَ له أن يشتري بيتاً له ذلك داخل الخط الأخضر في الأرض المحتلة عام 1948.

فشل يهودية الدولة
هذا وإن الوجود الفلسطيني في داخل فلسطين منع ويمنع قيام ما يُعرف بيهودية الدولة «الإسرائيلية» الكاملة.. لأن 20% من سكانها هم من العرب الأصلاء، وهذا الوجود رغم صغره فانه مهم جداً يحافظ على إبقاء الروح العربية قائمة في فلسطين ويفشل المشروع الصهيوني بكل تأكيد.

المستشرقون اليهود
وعند سؤالنا للمؤرخ الفلسطيني د. يزبك هل يوجد مستشرقون يهود في إسرائيل؟! قال: إن الجامعة العبرية في القدس أُقيمت عام 1925، وأول موضوعين تم تدريسهما فيها قديماً هما: 1- تاريخ اليهود. 2- والتاريخ الإسلامي والحضارة العربية... ومن يدرس هذا التخصص الثاني يُعتبر مستشرقاً.. فهناك مجموعة من المستشرقين اليهود في كل جامعة إسرائيلية يهتمون بتاريخنا وحضارتنا العربية والاسلامية ويريدون معرفة كل شيء عنا.. وربما يحرفون بعض الحقائق التاريخية عنا كذلك!!.

تاريخيات د. يزبك
ومن مؤلفات المؤرخ د. يزبك نذكر:
-    الهجرة العربية الى حيفا زمن الانتداب – العربي.
-    النظم الادارية والبنى الاجتماعية في حيفا – بالعربي.
-    حيفا ما قبل وبعد 1948 – منشورات هولندا – بالإنجليزي.
-    صور من واقع حياة اللاجئين في الداخل والخارج –هولندا – بالإنجليزي.
وعدد كبير من الدراسات والابحاث والمقالات العلمية المنشورة في المجالات الأكاديمية العربية والأجنبية.