كتب - راكان السعايدة

لعبت الجغرافيا الأردنية دورا سلبيا في قدرة الحكومات، ومستويات القرار السياسي، على وضع تصورات بمقدورها إحداث التوازن السياسي المطلوب لمرور آمن من صعاب وتحديات الإقليم.
ذلك خلق نوعا من الانسيابية السياسية والدبلوماسية اللافتة بأمل أن تؤدي، هذه الانسيابية، إلى إبداع حلول من رحم الأزمات، وتمنح السلطة إمكانية الاستجابة المعقولة لتخفيف الضرر الناجم عن الانفلات الأمني والسياسي في المحيط.
بالكاد خرج الأردن من «الربيع العربي» واستحقاقاته الداخلية المباشرة، ولو نسبيا، لكنه بات في مواجهة استحقاقات ربيع الإقليم الذي نحا إلى فوضى أمنية وسياسية بلا أفق، بل أفقها يموج بتعقيدات وتشابكات خطرة للغاية.

وشكلت الأزمة السورية المنحى الصعب والأكثر حساسية وخطورة على الأردن، بنتيجة أمرين أساسيين هما: (1) اللجوء الكبير للسوريين مع ما يعنيه ذلك من مخاطر أمنية واجتماعية وسياسية وصعوبات اقتصادية.
و(2) تنامي التنظيمات المتطرفة كـ»داعش» و»جبهة النصرة» فضلا عن فصائل متشددة مغمورة أخرى، ولهذه أطماعها في الأردن.
الخطر على الأردن لم يعد على حدوده الشمالية فقط، إذ توسعت المخاطر لتشمل الحدود الشرقية أيضا، بعدما سيطر تنظيم الدولة الإسلامية (داعش سابقا) على أجزاء كبيرة من العراق وأعلان «دولة الخلافة»، وبين فترة وأخرى يأتي التنظيم على ذكر الأردن بوصفه جزءاً من تلك الدولة.
إن كسر تنظيم الدولة الإسلامية الحدود بين سوريا والعراق، يعد الحلقة الأخطر في السياق الإقليمي، وتزداد خطورته في ظل غياب استراتيجية إقليمية أو دولية للتعامل مع هذا التداعي واحتمالات توسعه.
ويضاعف مأزق الأردن، كما دول أخرى، ان الحالة العراقية تمثل الإطار الأبرز للصراع الطائفي، فالجزء الأساس من أزمة العراق هو إقصاء وتهميش الشريحة السنية والتي لم تجد غير تنظيم الدولة الإسلامية كرأس رمح في صراعهم من الحكومة الطائفية الشيعية.
في السنوات الثلاث الأخيرة كان الأردن يواجه مخاطر محتملة قد تأتيه من سوريا وهو اليوم يواجه مخاطر مركبة قادمة من سوريا والعراق معا، وبقي الأمر على هذا المنوال إلى أن اشتعلت في الأسابيع الثلاثة الأخيرة جبهة قطاع غزة.
وربما، يقول أحد السياسيين، ان الأداء السياسي تجاه قطاع غزة بما له وعليه من ملاحظات عائد إلى سببين جوهريين، أولهما: أن الأردن قلق على أمنه واستقراره من جهة الحالة المتشابكة في سوريا والعراق. وثانيهما: اضطراب الأجندات والمصالح بين مختلف الدول العربية والتي خلقت تحالفات غير مسبوقة وغير مواربة، بل باتت بارزة على السطح.
ذلك أحاط الأردن بطوق من نار يمتد من حدوده الشرقية إلى الشمالية فالغربية، وكلها تستجلب مستوى عالياً من المخاطر، وتستوجب نمطا سياسيا ودبلوماسيا مختلفا يساعد على الاشتباك مع تداعياتها بصورة أكثر حذرا وأكثر فائدة.
بما يتطلبه ذلك، بفهم سياسيين، من استدارة كل المكونات، الرسمية والأهلية، لبناء تفاهمات داخلية يستجيب فيها كل طرف، بمقدار ما، لرؤية وموقف الطرف الآخر، لأن ذلك سبيل وحدة الموقف الذي يمتن الجبهة الداخلية ويجعلها قادرة على مجابهة التحديات.
كما ان ذلك يساعد، أو هكذا يفترض، في اشتباك الأردن مباشرة مع ملفات المنطقة للتأثير في مساراتها، وتقديم التصور الأردني لكيفية التعامل معها، وليس انتظار اتجاهاتها أو نتائجها.
فالمنطقة تتعرض إلى ما يشبه التفكيك الذي قد يفضي إلى تركيبها بشكل ومضمون لا يخدم المصالح الوطنية، والخشية من أن تكون هناك مفاوضات تدار بين قوى كبرى وقوى إقليمية نافذة لتقسيم الإقليم كمناطق نفوذ لهذه القوى الإقليمية تلعب دور الوكيل لقوى كبرى.