صالح القلاب

ليست مغامرة وإنما شجاعة وأعلى مستويات المسؤولية القومية ألاَّ تعتذر الكويت عن استضافة القمة العربية على أراضيها وأن ترحب بإنعقادها وهي تعرف أنَّ كل هذه التمزقات التي بات يعيشها العرب ،رسمياً وشعبياً، يعجز عن رتقها ألف «رثَّاءٍ» ماهر وأنه لا يُصلِح العطار ما أفسد الدهر وأنه قد يكون قدر هذه الأمة أن تتكون من كل هذه الأعداد من الدول التي أصبحت كل واحدة منها «أمة» وكل هذا وأن المعروف أن الدولة هي الأمة وإن الأمة هي الدولة في العالم بأسره بإستثناء إستثناءات قليلة.
أعان الله الكويت فـ»البيت الخليجي» في وضع :»لا يسرُّ الصديق ولا يغيض العدا» وحال باقي الدول العربية لا ينطبق عليه إلاَّ ذلك المثل القائل :»رؤوس مؤتلقة وقلوب مختلفة» ولهذا فقد كان بإمكان الكويتيين أن يضعوا رؤوسهم بين هذه الرؤوس ويقولوا :»يا قطَّاع الرؤوس».. بل وأكثر من هذا أنْ يستجيبوا لتلك الحكمة القائلة:»إكرام الميت دفنه» ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله.
بإستثناء إستثناءات قليلة جداً فإنَّ معظم الذين حضروا هذه القمة وكل الذين غابوا عنها إما بصورة كاملة أو من خلال المشاركة الرمزية التي هي أسوأ من «المقاطعة» فإن هؤلاء الأشقاء وإن الأخوة الأعداء كل واحد منهم يوجه رأس خنجره إلى خاصرة شقيقه وهو يعانق هذا الشقيق عناقاً حاراً أمام شاشات التلفزيونات ويدعو عليه في سرِّه أن تنطبق عليه السماء وأن تغور به طبقات الأرض.
ثم وبالطبع فإن هناك خلافات حقيقية بالنسبة للحرب التي بقي يشنها بشار الأسد على الشعب السوري والتي تجاوزت الثلاثة أعوام ودخلت العام الرابع فبعض العرب العاربة والمستعربة قلوبهم مع عليُّ بن أبي طالب وسيوفهم مع بني أمية وبعض العرب :»عيونهم بصيرة وأيديهم قصيرة» إنْ بحكم الجوار غير الحسن وإنْ بحكم وجود رؤوس الجسور الإيرانية أما بعض العرب الآخرين ،وهؤلاء لايخجلون من المجيء إلى هذه القمة، فإنَّ قراراتهم ليست في أيديهم وإنما في يد مرشد الثورة وإنَّ الآمر الناهي في بلدهم هو الجنرال قاسم سليماني وهكذا وبالتالي فإنهم مشاركون رئيسيون في هذه الحرب القذرة بالنوايا وبالأسلحة التي لم يتوقف سيلها ولا للحظة واحدة وبالأموال التي وصلت إلى أرقامٍ فلكية وبكل هذه الجيوش الطائفية الخسيسة التي تجاوزت أعداد وتنظيماتها الإثني عشر تنظيماً.
لكن ورغم أن الكويت تعرف هذا وتعرف أكثر منه ورغم أنها تدرك أنها معجزة فعلية جَمْعُ كل هذا الشتات والخروج بأي شيء إلاَّ أنها متوكلة على الله سبحانه وتعالى ومستندة إلى دعم شعبها وإلى الثقة بقيادتها التي على رأسها الشيخ صباح الأحمد (أبو ناصر) وأيضاً إلى تقدير العرب كلهم لها ولما بقيت تفعله في لحظات العسرة لأمتها فإنها قد أقدمت على هذه الخطوة بدون أي تردد وحافزها ذلك المثل القائل :»إن إضاءة ولو شمعة صغيرة واحدة خير ألف مرة من الإستمرار بلعْن الظلام».. وها هي هذه الدولة العزيزة تضيء أكثر من شمعة لتحافظ على إستمرار صيغة عربية إن هي «إنفرطت» فإنه ستذهب سدى كل الجهود التي بذلت على مدى نحو نصف قرن للإبقاء على التنسيق العربي ولو في حدوده الدنيا.