إذا ما تأكدت الانباء عن تحرك سفن روسية كانت متموضعة قبالة شاطئ طرطوس باتجاه الحدود التركية السورية الشمالية (اللاذقية)، فإننا نكون أمام تطور لافت، يأخذ أبعاده الخطيرة من الانخراط التركي المباشر في الازمة السورية، بعد ان وفرت القوات التركية المعلومات الاستخبارية والدعم اللوجستي والمساندة بنيران المدفعية والدبابات لمئات من المسلحين الذين هاجموا معبر كسب في ريف اللاذقية انطلاقاً من الاراضي التركية (كذلك في حلب التي تزامن التصعيد فيها مع الهجوم على كسب) وهو أمر لم تنفه انقرة، بل خرج رئيس حكومتها على الجمهور «الاسطنبولي» الذي كان يستمع الى خطبته الانتخابية، ليهنئ (..) الجيش التركي على اسقاطه الطائرة السورية المقاتلة، ويرفع اصبعه مُهدداً ومُتوعداً دمشق برد «قاس»، ما عكس الحال النفسية التي يعيشها رئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي اعلن الحرب على موقع «تويتر» ولم يوفّر المجتمع الدولي الذي قال في وضوح وبشكل علني انه لا يهمه، ثم واصل حملة الاساءات والشيطنة تجاه حركة «الخدمة» وقائدها الروحي (حليفه السابق) محمد فتح الله غولن.
ليس ثمة شكوك بأن تركيا هي التي فتحت جبهة اللاذقية، التي تعرف انها كانت خاضعة لتفاهمات واتفاقات مكتوبة بينها ودمشق، نظراً لتداخل الحدود الطبيعية (كون كسب جزءاً من لواء اسكندرون الذي احتلته تركيا بمباركة فرنسية في الثلث الاول من القرن العشرين) وكان يتم تداول المعلومات وتمريرها بين البلدين دون وجود عسكري سوري قوي، الأمر الذي يفسر سرعة استيلاء المسلحين على المعبر الحدودي، هذا المعبر الذي بقي هادئاً طوال سنوات الأزمة الثلاث، رغم تعرض المعابر الحدودية «الكثيرة» بين البلدين الى هجمات من قبل الارهابيين الذين توفر لهم انقرة واجهزتها الاستخبارية والعسكرية، ملاذات آمنة ومشافي ميدانية ودعما غير محدود في مجالات عديدة.
ليس من المبالغة القول ان الهجوم الاخير على معبر كسب، سينتهي الى الفشل آجلاً ام عاجلاً، حتى لو ابقت تركيا - وهي لن تُبقي بالمناسبة - على دعمها لهؤلاء، لأن تشكيلات المسلحين التي بدأت تستنفد قواها، تفتقر الى البيئة الحاضنة، على عكس ما كانت عليه في القلمون (وما ادراك ما القلمون) وحمص وحلب وادلب ودير الزور بل وريف دمشق، فهل هي مجرد رسالة مكتوبة بالدم والمغامرة؟ ارادت انقرة وقيادات المسلمين ارسالها الى قمة الكويت التي ابدت «نضجا» وان كان غير كاف، عندما رفضت منح مقعد سوريا في القمة (والجامعة) لأحمد الجربا وائتلافه المفكك الآيل للسقوط؟ ام ان اردوغان اراد ان يُجيّر هذا «الاختراق» لحملته الانتخابية ويوظفه لدى المؤسسة العسكرية التي تَملّقها كثيراً وطويلاً، حداً وصل به الى اطلاق رئيس الاركان الاسبق المدان في محاولة انقلابية، الجنرال ألكر باشبوغ، عبر تهنئة الجيش لاسقاطه الطائرة السورية، التي لم تدخل الاجواء التركية، بل كان التحرش التركي مقصوداً بذاته ولذاته ولا يعدو كونه عربدة وغطرسة؟
لن يغامر اردوغان بدخول حرب بعد ثلاث سنوات من الدعم غير المحدود للمسلحين والانخراط في مشروعات وخطط وتنسيق وتعاون استخباري، اقليمي ودولي، وحملات سياسية ودبلوماسية واعلامية لاذعة ومُسفّة ذات نفس طائفي ومذهبي على سوريا، ولم يكن حظها من الخيبة والفشل قليلاً، وهو الآن وقد بدأت تتبلور ملامح نظام دولي جديد، فرضته احداث شبه جزيرة القرم وتداعياتها المتمادية، يدرك ان الامر لم يكن بالسهولة التي ظنها عندما امتشق «أسلحته» وراح يُنظّر ويهاجم باستعلاء وتعنت وغطرسة، وكأنه المرشد الروحي والمرجع السياسي لـ»العرب»، يلهج بارث اجداده العثمانيين والسلاجقة ويدّعي عن غير حق، انه سيستعيد هذا الارث.
ثمة قناعات لدى قطاعات وازنة وواسعة، بأن «حملة الانفال» التي جردها مغامرون ويائسون اصابهم الخوف واستبد بهم الهلع، على كسب وريف اللاذقية، مصيرها الفشل لأسباب عديدة، ما يعني ان المُخططين والمُمولين والداعمين والمُساندين على الارض وخصوصاً تركيا، يريدون «تعويض» خساراتهم الاستراتيجية في القلمون وخصوصاً يبرود وريف دمشق وحمص وبخاصة قلعة الحصن، وهم لجأوا الى هذه الفرقعة النارية للفت الانظار واستجلاب المزيد من الاموال والدعاية الاعلامية، اما غير ذلك، فمجرد اوهام وخزعبلات وفبركات اعلامية.
الايام... ستروي.
kharroub@jpf.com.jo