سميح المعايطة

لعلها المرة الأولى لدى الكثيرين أن يستمعوا إلى ذكر لرجل من رجالات الأردن الكبار حابس المجالي رحمه الله في التقرير الذي بثته بعض وسائل الإعلام يوم وفاة مجرم الحرب الصهيوني شارون، فحابس المجالي أو النقيب حابس قام بأسر شارون في إحدى معارك حرب 1948 قبل أن يتم الإفراج عن شارون في تبادل للأسرى بعد الحرب بين الجانب العربي والعصابات الصهيونية.
وهي مناسبة أن نقول لأجيالنا شيئا عن رجالات كانت رجولتهم أفعالاً وليست استعراضاً، وليست نفخاً مدفوعاً في مجالات الإعلام والسياسة، ووجودهم في مسيرة الدولة كان متدرجاً وحقيقياً، فليسوا أبطال أنابيب، أو أصحاب إنجازات مثل إنجازات رموز ألعاب البلاي ستيشن أو أمثال الخيال الأمريكي.
حابس المجالي ليس أول القصة ولن يكون آخرها  لكن تاريخه العسكري الأردني كان منذ أن كان ضابطاً صغيراً في الجيش، ومن المؤكد أن تاريخ الجيش الصهيوني يذكر للأردنيين أن حابس الأردني أوقع في الأسر مجرم الحرب شارون، كما كان رفاق السلاح لحابس من ضباط وضباط صف من أبناء الجيش العربي الأردني الذين سجلوا صفحات بطولة رغم ضعف الحالة العربية والمؤامرة الكبرى على فلسطين والأمة.
رفاق السلاح لحابس منهم  من قضى شهيداً في حروب فلسطين ومنهم من حمل جراحاً أو ذكريات فخر، ومنهم من هو بيننا اليوم، وإذا كنا نذكر يوم الكرامة فإن هناك أياماً أخرى سجلت البطولة والرجولة لرجال الجيش العربي الأردني ضد الاحتلال الصهيوني.
الدول الحية تحفر في ذاكرتها مكاناً يليق برجالاتها فهم التاريخ، وهم النموذج الذي نقدمه لأجيالنا، والدول الحية تحترف الوفاء لمن قدموا وغادروا ولم تشغلهم شكليات الزعامة، ونقول هذا ونحن في زمن صناعة وهم الإنجاز، ووهم الحضور ووهم المواصفات العالية عبر إعلانات مدفوعة وولائم أو القدرة على صناعة شلة أو صالون أو كتلة منافع.
نترفع أن نقرن اسم الأردني الصادق حابس المجالي مع مجرم الحرب شارون، لكن حابس رحمه الله صاحب اليد العليا فقيده وضعه في أيدي ورقبة شارون، وبقي حتى مات رحمه الله رجلاً أردنياً صادقاً وبقي العسكري الأردني الذي لم يخذل الأردن والأردنيين في كل المراحل.
رحم الله حابس الذي ربما لا يعرف عنه الكثيرون من أبنائنا الكثير، لكن الفضل الأكبر بعد الله تعالى للمؤسسة الاجتماعية الأردنية التي قدمت مثل هذه النماذج، وأيضاً للمؤسسة العسكرية الأردنية التي قدمت أجيالاً من المخلصين والصادقين، الذين عرفوا الجيش بجهدهم ومعاناتهم، ولم يقفزوا من فوق دبابات الجيش إلى معسكرات مضادة وخنادق الهمز واللمز بالدولة أو الانقلاب عليها لضعف امتياز أو طلبا لغاية ومصلحة.
جزء من قوة أي دولة أن تبقى تذكر وتحترم كل من وقف إلى جانب دولته واستقرارها بل وقاتل من أجل بقائها، وبخاصة في مراحل كان آخرون يستعدون للقفز من سفينة الدولة إلى أي سفينة حتى تلك التي انقلبت على الدولة، وكم هم الرجال الذين يستحقون في بلادنا أن نبقى صادقين في وفائنا لذكراهم وتحية لهم سواء كانوا من أبناء الجيش أو أي مؤسسة مدنية أو قطاع خاص.
Samih.m @alrai.com