ابراهيم العجلوني

«فيض الخاطر» كتاب جامع لأحمد امين صاحب موسوعة (فجر الاسلام وضحى الاسلام وظهر الاسلام ويوم الاسلام) التي ارخت للحياة العقلية في الحضارة العربية الاسلامية، وهو كتاب ذو عشرة اجزاء وقد بلغ من شهرته مبلغ كتب «وحي القلم» للرافعي و»وحي الرسالة» للزيات و»النظرات» و»العبرات» للمنفلوطي و»العبقريات الاسلامية» و»اليوميات» للعقاد، لكن لم يطبع طبعات متتالية على نحو ما كان من هذه الكتب، لا يُدرى لذلك سبب، على اهمية ما اشتمل عليه فيض الخاطر من مقالات جادة ذات مستوى رفيع، وعلى شمولها موضوعات كثيرة وآفاقاً مختلفة في الفكر والادب والفلسفة والسياسة والاجتماع.
لقد كان «فيض الخاطر» اشبه شيء بموسوعة ثقافية جاءت موسومة بطابع شخصية نادرة المنال في تاريخنا الثقافي، وان مما نراه باعثاً على الاستغراب ان يضرب الاكاديميون «معلمو الجامعات» صفحا، وان لا يوجهوا طلبتهم الى التزود بزادها الوفير، كما ان مما يبعث على الغضب (وهو غضب نبيل بكل معنى) انك تسأل عنها عشرات من المنتسبين الى معظم روابط الكتاب وجمعياتهم واتحاداتهم فلا تجد الا ذلك الصمت المخزي الذي تجده كذلك حين تسألهم عن الكتب آنفة الذكر لكل من الرافعي والعقاد والزيات وغيرهم من الاعلام الذين كانوا هم واضرابهم – محمود محمد شاكراً مثلاً وطه حسين ومحمد حسين هيكل وسيد قطب وعبدالرحمن بدوي قوام نهضتنا الحديثة في الفكر والادب والفلسفة.
اننا لا نجرؤ على ان نفكر – مجرد تفكير – في ان نسألهم عن اعمال الجاحظ وابي حيان التوحيدي او الجرجاني او الفخر الرازي او غيرهم من اسلافنا العظام الذين عنوا بالادب والبيان، فصلتهم بهذا التراث ارث من ان تحتمل لهيب السؤال، ولقد يكون منطقياً ايضاً ان لا نسألهم عن فيض الخاطر والكتب التي تشاكله، ولكننا انما نسأل سؤال العارف توكيداً منا لعبث الروابط والاتحادات وموات الجمعيات والمؤسسات التي ترفع الثقافة لافتة على فراغ، وتزعم وصلاً بها وهي انما تأخذ سمتها بمنأى عن الضعفة والقاصرين، ولا تمنح ذاتها الا لمن يمنحها عمره من اولى العزمات من المفكرين والمتأدبين، وقل ان تجد مثل هؤلاء في تلك المؤسسات وهم ان وجدوا غرباء حتى يخلصوا منها نجباً او ينأوا بعقولهم واذواقهم عنها.
ثم ان في الضعفة متأدلجين ان قمت تسألهم عن اعمال حسن حنفي ومحمد عابد الجابري وطه عبدالرحمن وابي يعرب المرزوقي لم يفيدوك بشيء الا ما يعكس عمق الروابط بين الجهالة والادّعاء.
وفي الجملة فقد ساقنا حديث «فيض الخاطر» الى ما قد لا تحمد عقباه من غضب الغاضبين.
ونحن بذلك، في كل حال، سعداء..