د. زيد حمزة

لا تشبه الليلةُ البارحة، فقبل ستة أشهر كنت في استانبول في زيارة خاصة وكتبت بعد العودة مقالاً بعنوان (عائد لتوي من ميدان تقسيم)/ 8 حزيران 2013 حيث وجدت نفسي في قلب المظاهرات التي كانت تنذر بربيع تركي، وقبل أيام كنت مرة أخرى هناك في الاجتماع السنوي (لمنتدى السياسات الصحية في الشرق الاوسط وشمال أفريقيا ) وطفت في ميدان تقسيم وتجولت في حديقة غيزي التي – استجابةً لانتفاضة حزيران – لم تُقطع منها شجرة واحدة ولم يقم مكان الغابة الصغيرة (المول) التجاري الضخم الذي احتج عليه المتظاهرون بل عادت كما عهدها اهل استنبول حديقة للعشاق والاطفال والمتنزهين، تتناثر في ارجائها النوافير المائية الجميلة، كما بقيت المساحات الكبيرة في ميدان تقسيم مرتعاً لمرتاديها يفترشون مربعاتها الخضراء وادراجها الرخامية ويحيطون بتمثال معركة الحرية ويبتاعون الكستناء المشوية والكعك (السميط) من العربات الملونة..
الاجتماع المكثف لمنتدى السياسات الصحية كان مراجعة لما تحقق في العام المنصرم من انجازات على صعيد الدراسات التي قدمت والابحاث التي جرى اقرارها، وقد اثبتت الطبيبة الفلسطينية سلوى النجاب قدرتها على الامساك بدفة هذا المنبر رغم الصعوبات والتحديات، كما نوقشت فيه ورقة جديدة للباحثة المكسيكية أليهاندرا غونزاليس حول ما يجري في السياسات الصحية لبعض الدول من توجه خاطئ لبناء المستشفيات المكلفة وتركيز كل الخدمات فيها بدل التوسع في بناء المراكز الصحية في الاحياء والقرى لتكون في متناول المواطنين قريبة منهم وبكلفة زهيدة .
مندوب منظمة الصحة العالمية الدكتور عوض مطرية (من مصر) طرح وجهات نظر المنظمة بضرورة التمسك بمبادئ الرعاية الصحية الاولية وقارن بين دول اقليم شرق البحر المتوسط ( إسرائيل ليست عضوا فيه ) من حيث ميزانيات الصحة فيها وكيف أن بعض دولها مازال يخصص لها حداً أدنى بكثير مما هو مطلوب، وبيّن في نفس الوقت ان الاردن من اكثرها انفاقاً على الصحة !
في نهاية الاجتماع وكنا على العشاء نتبادل أطراف الحديث اتضح لنا أن بيننا خارج هموم العمل المهني اهتماماتٍ اخرى مشتركة حين أشار الدكتور غسان عيسى ( وزوجته الطبيبة ايضاً ) من لبنان الى قراءاتهما الادبية وولعهما بالموسيقى والرواية والشعر، واستشهدا بالشاعر اللبناني شوقي بزيع، صديقهما ..
وبعد .. فحين عدت الى عمان كان اول ما حضرت في اليوم التالي في منتدى شومان الثقافي أمسية شعرية جميلة احياها لنا شوقي بزيع نفسه، وبهذه المصادفة الممتعة تعرفت على شاعر مبدع وشخصية ظريفة مرحة وازددت إيماناً بأن الحياة يمكن ان تقهر الحزن بالثقافة وان تنعش نفوسنا المكدودة بنشوة الشعر الجميل .