القدس المحتلة - كامل إبراهيم -أولى الهاشميون بيت المقدس ومقدساتها جل عنايتهم واهتمامهم ، فكان الشريف الحسين بن علي، شريف مكة أول المستجيبين لنداء أهل القدس، حين زاره وفد مقدسي سنة 1924م في الحجاز برئاسة الحاج أمين الحسيني رئيس المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، وبعد أن سمع إيجازاً وافياً حول المخاطر التي يتعرض لها المسجد الأقصى تبرع ب 50 ألف ليرة ذهبية، شكلت أساس المال الإسلامي لإعمار المسجد الأقصى ومساجد أخرى في فلسطين.
ومنذ ذلك الوقت والعناية الهاشمية بالمقدسات وخاصة المسجد الأقصى المبارك تزداد وتتعزز لتشمل كافة جنبات المسجد الذي تزيد مساحته عن 144 دونماً وفي مقدمتها قبة الصخرة المشرفة والمسجد الأقصى القبلي .
  وبرعاية هاشمية وبتوجيهات من جلالة الملك عبد الله الثاني شهدت قبة الصخرة المشرفة ولوحاتها الفسيفسائية خلال العامين الماضيين عملية ترميم  من قبل وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الاسلامية بالتعاون مع الباحث والخبير  الدكتور محمد سعود أبوعيشة،  المتخصص في ترميم الآثار .
 يقول ابو عيشة تم انتدابي من قبل وزارة الاوقاف  وتحديدا لجنة اعمار المسجد الاقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة في عام  2010 خلال وجودي في ايطاليا، للإشراف وتنفيذ اعمال ترميم الزخارف الفسيفسائية في المسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة وتدريب طاقم فني محلي.
واضاف قدمت الى القدس بداية عام 2010 ، وقمت بزيارة  للاقصى   وتعرفت على مسؤولي الاوقاف في القدس ورايت طبيعة وأشكال التلف التي تعاني منها الزخارف الفسيفسائية في رقبة قبة الصخرة المشرفة.
 وفي السنة الأولى كنت أحضر  من إيطاليا إلى القدس مرة كل شهرين ولمدة اسبوعين للاشراف على وضع برنامج عمل للفنيين المحليين  ، وكنت أعقد لهما دورات نظرية بخصوص ترميم التراث الحضاري بشكل عام والفسيفساء بشكل خاص، إضافة إلى دورات عملية.  
وبعد السنة الاولى رأينا   من الافضل ان أكون موجوداً  باستمرار لمتابعه دورية ومستمرة للعمل، وبالتالي كان الانجاز الاكبر العمل في القدس، وقررت ان اترك ايطاليا فقدمت استقالتي وعملت سنة 2011 و2012 بشكل مستمر.
 ويتابع ابو عيشة في سنة 2012  تم استقطاب مرممين زخارف فسيفساء للعمل لحساب المشروع، استدعيت مرممين من ايطاليا وعملوا  مع الفنيين المحليين، فكان لدينا كادر من ستة اشخاص اربعة محليين واثنان اجانب مع وجودي وعملي باستمرار معهم  .
 وتم في عام 2012 إنهاء ترميم ما نسبته 85% من الزخارف الفسيفسائية في رقبة قبة الصخرة المشرفة البالغة مساحته تقريبا 584 مترا مربعا حيث يحتوي الشريط  العلوي على 220 مترا مربعا والشريط السفلي على 364 مترا مربعا، وننتظر الان ان يتم إنهاء ترميم الزخارف الجصية في القبة من الداخل، لنتمكن من  إنهاء آخر مراحل ترميم الفسيفساء في رقبة القبة  والتي تشمل التنظيف الكيميائي والتوثيق النهائي .
 وقال ابو عيشة اعتبارا من شهر آذار 2013 بدأنا بترميم المثمن الداخلي لقبة الصخرة المشرفة، وفي نفس الوقت اتفقت مع لجنة الإعمار لإحضار مرممين فسيفساء ليعملوا معنا لزيادة إنتاج العمل.
 حيث أنجزنا منذ منتصف آذار 2013 ولغاية الان ترميم ضلعين من اضلاع المثمن كاملين من اصل ثمانية أضلاع وقمنا بعمل توثيق خطي للزخارف الفسيفسائية وتحديد كمية وأشكال التلف التي تعاني منها الفسيفساء ورقيا ورقميا، تدعيم المكعبات الذهبية والفضية، وتدعيم الإنفصال بين طبقات الملاط التحضيري، ومعالجة الفجوات وفي النهاية التنظيف الكيميائي.
وانجزناهما قبل رمضان وبعدها انتقلنا إلى الواجهة الرئيسية للرواق الاوسط في  المسجد الاقصى لترميم الزخارف والفسيفساء الى ان يتم فك السقالة في قبة الصخرة وتركيبها على الضلع الثالث.
إضافة إلى ذلك، تم رسم ثماني وحدات زخرفية على ورق للشريط السفلي في رقبة قبة الصخرة  من اجل ادخالها على الماسح الضوئي وتوثيقها .
 ثم بدأنا العمل على واجهة الرواق الاوسط في المسجد الاقصى منذ نهاية رمضان الماضي، والعمل الان مستمر عليه، حيث أنجزنا في البداية عملية التوثيق الخطي «رفع عن الطبيعة «  بمقياس 1:1 للزخارف الفسيفسائية في الواجهة ومن ثم تحويلها إلى شكل رقمي لتعيين اشكال التلف وتوثيق مراحل العمل المختلفة، أنهينا مرحلة تدعيم المكعبات الذهبية والفضية وتدعيم الإنفصال بين طبقات الملاط التحضيري، والآن نعمل على معالجة الفجوات.
وحول كيفية معالجة الاضرار التي تمت معالجتها خلال عملية الترميم سواء في قبه الصخرة او في مسجد الاقصى بين ابو عيشة :
فيما يتعلق بقبة الصخرة المشرفة، تدخلنا على نحو كامل في ترميم الزخارف الفيسفسائية، إذ لم يكن هناك ترميمات سابقة جذرية كالطريقة التي نقوم بها حاليا، علما بأن هناك ترميمات كبيرة أجريت في نهاية الخمسينيات، وبداية الستينيات من قبل مصريين واستخدم فيها الإسمنت بشكل كبير، وسبق ذلك اجراء عمليات ترميم في نهاية 1800 من قبل ارمن ، إلى أن وصلنا إلى أعمال الترميم الاحدث التي بدأت في العام ٢٠١٠  .
لدينا اشكال تلف عديدة بسبب العوامل الطبيعية مثل الهزات الارضية او التحركات الطبيعية للمواد نفسها  المستخدمة في الفسيفسائية وعوامل غير طبيعية ، وهي ناتجة عن تسرب المياه في الماضي قبل اصلاح قبة الصخرة المشرفة من الخارج، وجود املاح نتيجة التدخلات الخاطئة باستخدام مواد اسمنتية والجص، كما ان الهواء الساخن والغبار ترتفع إلى الأعلى وتترسب على السطح الفسيفسائي ومع وجود الرطوبة النسبية تتحول عبر الزمن على ترسبات كلسية تعيق إظهار جمال وبريق المكعبات الفسيفسائية.
 اما المشاكل التي كانت تعاني منه الفسيفساء في قبة الصخرة والمسجد الأقصى  فهي عبارة عن فجوات ونقصان في المكعبات الفسيفسائية كما يوجد انفصال بين طبقات الملاط التحتية او الداخلية للزخارف الفسيفسائية، لان الفسيفساء مكونة في العادة من عدة طبقات ملاط إضافة إلى طبقة المكعبات الفسيفسائية، وبالتالي كان هناك انفصال بين الطبقات حيث كان يتم تدعيمها بواسطة حقن مواد سائلة، أما الفجوات فتمت معالجتها باستخدام مكعبات شبيهة، أما المكعبات الذهبية  والفضية كانت تعاني من تلف الطبقة الزجاجية الحافظة تم تدعيمها لمنعها من الإنفصال وبالتالي السقوط؛ هناك ترسبات كلسية واسمنتية على سطح الزخارف الفسيفسائية، تم ازالتها باستعمال عمليات تنظيف كيميائية وميكانيكية.
واشار ابو عيشه : نظرا لأهمية عملية توثيق الزخارف الفسيفسائية والتي لم يتم انجازها مسبقا حتى حضوري الى المسجد لاقصى  ، تم انجاز عملية التوثيق الخطي شاملة بمقياس واحد الى واحد ومن ثم الرقمي، وهي من أهم العمليات  التي انجزناها على فسيفساء قبة الصخرة المشرفة والمسجد الأقصى المبارك والتي ستبقى  كوثيقة تاريخية وكمرجع مهم في المستقبل القريب والبعيد محفوظ في أرشيف مديرية أوقاف القدس ووزارة الأوقاف في الاردن.
 ويكشف ابو عيشة بان ما يميز الفسيفساء  في قبة الصخرة بانها فريدة من نوعها في العالم العربي والإسلامي، أما بخصوص العالم الغربي هناك بعض التشابه من الناحية التقنية فقط، أما من الناحية الإيقونوغرافية (التصويرية) فهي تشبه نوعا ما فسيفساء المسجد الأموي في دمشق وفسيفساء كنيسة المهد في بيت لحم.
ويوضح اختار الفنان المسلم ثلاثة ألوان رئيسية ليستخدمها في نسج زخارفه الفسيفسائية هذه، حيث اشتملت الألوان على الأخضر بدرجاته المختلفة، الأزرق ودرجاته، الأحمر، والمكعبات الزجاجية ذات الورقة الذهبية والفضية، إضافة طبعا إلى القطع الصدفية والمكعبات الحجرية البيضاء اللون.
واستطاع الفنان أن يجسد روح العقيدة الإسلامية من خلال تصميماته للوحات الفسيفسائية هذه، فكان لزاماً عليه أن لا يجسد أي تصوير لإنسان أو حيوان ، فاستعاض بذلك بعناصر زخرفية أهمها النباتات، الأشجار والفواكه، الأوراق النباتية مختلفة الأنواع والأشكال، وورق الأكانتس، المزهريات، الأشكال الهندسية والخط العربي.
وقد اشتملت النباتات على أشجار مختلفة  كالنخيل، الزيتون، الرمان، التين، اللوز وثمار أخرى مختلفة، فواكه متنوعة وموضوعة في سلال أو صحون وكذلك عروق النباتات التي فاضت من المزهريات.
أما العنصر الآخر المهم الذي استخدمه الفنان المسلم في تصميم لوحاته الفسيفسائية، فهو الخط، حيث قام بعمل زنّارين بطول 240 م2 تقريبا ، يقومان أعلى التثمينة الداخلية من الداخل والخارج، زينهما بكتابات بالخط الكوفي البسيط والمنجزة بالمكعبات الفسيفسائية المذهبة على خلفية خضراء اللون.
وقال ابو عيشة إن الزخارف الفسيفسائية على المثمن الداخلي لقبة الصخرة المشرفة، والتي مساحتها 615 متراً مربعاً، من أتقن الزخارف الفسيفسائية الموجودة في الحرم القدسي ، حيث تتميز بدقة عالية جدا لم أرها في رقبة قبة الصخرة ولا في واجهة الرواق الأوسط للمسجد الاقصى؛ أصلها أموي وتم ترميمها بشكل كبير في الفترة  العباسية، كما هو موثق بالخط الكوفي على الواجهة الخارجية للصلع الجنوبي الشرقي للمثمن الداخلي لقبة الصخرة.  
وعن المشاكل التقنية أو من قبل الاحتلال قال ابو عيشة  لم تواجهنا مشاكل تقنية ، لان لدينا من الخبرة ما يكفي لمواجهة أي مشكلة ، لكن بعض المشاكل تتمثل في الحصول على بعض مواد الترميم بشكل سريع ، بسبب عدم توفرها في المنطقة، فنضطر أحيانا لاحضارها من الخارج؛ أما بخصوص المشاكل من قبل الإحتلال، توجد أحيانا بعض الإعاقات في العمل بشكل أو بآخر لكنها لم تؤثر سلبيا على  سير العمل.
 وعن فسيفساء الاقصى  يبين ابو عيشة إن كمية الزخارف الفسيفسائية الموجودة في الأقصى على واجهة الرواق الأوسط بمساحة 72 متراً مربعاً وفي رقبة القبة بمساحة 230 متر مربع، وتعود في الأصل للفترة الأموية  ولكن تم ترميمها وإعادة إنجازها خلال الفترات الزمنية اللاحقة نتيجة للهزات الأرضية التي تعرضت لها المنطقة وبالتالي لم يبقى من الفسيفساء الأموية إلا القليل، كما هو أيضا الحال في فسيفساء قبة الصخرة المشرفة.  
 ويختتم ابو عيشه حديثه « إنه لشرف كبير وشعور رائع، وبنفس الوقت مسؤولية كبيرة جدا أمام الله أولا، ومن ثم أمام جلاله الملك عبدالله الثاني والحكومة الأردنية  ان اقوم بهذا العمل .
واقدر  رعاية الاردن للمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس وخاصة للمسجد الأقصى المبارك من خلال المشاريع المختلفة للإعمار الهاشمي الدائمة التي تم إنجازها والتي سيتم انجازها في المستقبل «.