كتابة وتصوير: مفلح العدوان - ندخل روضة المؤرخين من خلال كتبهم، ونشد على أيديهم التي دونت تفاصيل تلك الوثائق والأوراق والسجلات العتيقة، لتكون كتبا ومجلدات تتراكم لتدشن بمجموعها مدونة تاريخية لكل تفاصيل الأردن.
هنا.. في هذه المساحة سيكون استكمال على ما كنا مررنا عليه بين بوح وآخر من التعريف بالمؤرخين وجهودهم في الأردن عبر استعراض واحد من كتبهم التي تضىء جوانب من تاريخ الوطن.. الآن بين يدي كتاب من جزأين، يحمل عنوان «المسيحيون في قضاء السلط» للمؤرخ الدكتور محمد عبد القادر خريسات، صدر عن وزارة الثقافة/ الأردن، ضمن سلسلة كتب ثقافية،
 كتاب الشهر 162، ويغطي الكتاب كل من السلط والفحيص والرميمين، ضمن الفترة الزمنية من عام 1869م الى عام 1920م.

النموذج الفريد
يقول الدكتور محمد خريسات في مقدمته، حول اختيار موضوع الكتاب، ولماذا تكون بداية الكتابة هي حول المسيحيين في السلط، في مشروع الخريسات لوضع كتاب شامل «لتاريخ مدينة السلط وفق الوثائق المتوفرة»؟ كما نوّه الى ذلك في الفقرة الأولى من المقدمة، وهو يجيب على التساؤل بأن هذه البداية بالأخوة المسيحيين جاءت لأسباب ثلاثة هي: «الأول: أنهم عملوا في الإدارة والشؤون المالية في السلط، وكان لهم دور بارز في هذا المجال. الثاني: أن الحركة التجارية وبالإشتراك مع الوافدين الى السلط قد قامت على أكتافهم، هذا بالإضافة الى نشاطهم الزراعي الواضح في هذا المجال. الثالث: يمكن القول أن أهالي السلط يشكلون نموذجا فريدا في العلاقات بينهم، وليس ذلك تعصبا ولا رياء، بل هي الحقيقة. فالتكوين المكاني للسلط قد قسمها الى منطقتين، الحارة (العواملة) والأكراد، وفي كل منطقة عدد من العشائر المسلمة والمسيحية، ولم يكوِّن المسيحيون مكانا ثالثا، بل توزعوا على المنطقتين. وهذا يدل على أن العصبية الدينية أو القبلية لم تبرز في السلط كظاهرة يشار اليها بالتأثير على حياة الناس».

الوثائق والسجلات
يكمل الدكتور محمد خريسات مقدمته بالإشارة الى أنه «تأتي هذه الدراسة لبيان التواجد المسيحي في السلط، و حسب الوثائق المتوفرة، منذ أقدم العصور، مركزا على تطور هذا الوجود منذ القرن السادس عشر الميلادي وحتى مطلع القرن العشرين. معتمدا في ذلك على الوثائق العثمانية لا سيما السالنامات، ووثائق حملة ابراهيم باشا على بلاد الشام، وكتب الرحالة الذين زاروا المنطقة خلال فترة الدراسة بالإضافة الى سجلات كنيسة اللاتين القيمة وسجلات الأحوال المدنية/ السجل الفيصلي. هذا ولم يقتصر البحث عن المسيحيين الذين كانوا بالسلط، بل امتد الى الذين سكنوا في بلدة الفحيص، وهم في أغلبيتهم، جذورهم من السلط، وإلى مسيحي قرية الرميمين».

المحتوى
وحتى تكون الصورة واضحة لفكرة الكتاب، وتفاصيله، والمعلومات القيمة التي يضمها بين دفتيه، سيكون المرور على سرد لمحتوياته، وفهرسه، كما وردت عناوينها في الكتاب، وهي على النحو التالي: «المقدمة، السجلات وأهميتها، السلط في الزمان، السلط في المصادر الجغرافية، السلط في ظل الحكم العثماني، الثورة على ابراهيم باشا، المسيحيون عبر العصور، المدينة والسكان، الطوائف المسيحية، المسيحيون والمجال الإداري، مجلس القضاء الشرعي، المجلس البلدي، مجلس الدعاوي، التحصيلدار، المسيحيون وشعبة المعارف، الحياة الاجتماعية، العائلات الوافدة، العشائر المسيحية السلطية، عائلات الفحيص، عائلات الرميمين، العادات والتقاليد المحلية، الأسرة السلطية المسيحية، عادات الزواج، مكانة المرأة المسيحية، حق النفقة، حق الحضانة والوصاية، الحقوق الإرثية، حق التملك، الألقاب والأسماء، أسماء الرجال، أسماء النساء، البيوت والأثاث، فن العمار في السلط، الأطعمة، المضافات، المختار والهيئة الاختيارية، رجال الدين المسيحي في السلط، وكلاء الدعاوي (المحامون)، التعليم، جنود الدرك، الموظفون، دور المسيحيين في الحياة الاقتصادية، تربية وتجارة الخيول، التجارة، تجارة الخمور، تجارة الأراضي المفتلحة، اليهود وشراء الأراضي، النقود المتداولة، الأسعار، الصناعة، العلاقة بين المسلمين والمسيحيين خلال فترة الدراسة. الملاحق: التقسيمات الإدارية منذ 1850 حتى 1918م، مجالس القضاء، أعضاء مجلس الإدارة في السلط من 1286ه-1318ه/1869-1900م، المجالس البلدية في السلط 1303-1318ه/1885-1900م، غرفة التجارة وغرفة الزراعة في السلط، مجالس الدعاوي (المحاكم) في السلط، شعبة المعارف، شيوخ الأردن، النقود الدارجة في السلط أثناء وفترة الدراسة، التحصيلدار والأعشار والبوستة (البريد) في السلط»

السجل الفيصلي
يكتمل الجزء الأول من الكتاب على 512 صفحة، لكنه لا ينتهي هنا، بل يستمر استكمال هذه الدراسة المهمة في الجزء الثاني الذي يحتوي على السجل الفيصلي (1918-1920) سجل الأحوال الشخصية: الروم الأرثوذكس (السلط)، الروم الكاثوليك (السلط)، اللاتين (السلط)، البروتستانت (السلط). السجل الفيصلي (الفحيص): الروم الأرثوذكس (الفحيص)، اللاتين (الفحيص). السجل الفيصلي (الرميمين): الروم الأرثوذكس (الرميمين)، اللاتين (الرميمين). سجل دير اللاتين (السلط): آل صويص (الصويصات)، الدبابنة، آل شامية، آل المعشر، آل قاقيش، آل نفاع، آل الكرشة/ اللطافنة، آل النجار، آل قعوار، آل تاردس، آل أبو جابر، آل بقيلي، آل البشارات، آل قبعين، آل المشيني (المشاشنة)، آل زعمط (الزعامطة)، آل البندك، آل الصفدي، آل أبو البطايح، آل النبر (النبور)، آل رزوق، آل مشربش، آل حتر (الحتاترة)، آل قموه (القماقمه)، آل السمردلي، آل بربور، آل فاخوري، آل الكرادشة، آل سرياني، آل أبو خضر، الأرمن، آل خوري. المصادر والمراجع».

مجلس الإدارة
سنختار من هذاالمحتوى الضخم، بعض الاشارات التي تعطي فكرة عن خريطة الكتاب، وأهميته، وهي نماذج لا تغني عن قراءته كاملا، حيث أنه الصعوبة بمكان اقتطاع جزء منه بمنأى عن بقية الأجزاء، لما فيه من زخم في الوثائق، وتدرج في المعلومة، لتكون الصورة واضحة للمتلقي.
في الفصل الخاص بالمسيحيين والمجال الإداري، يعود الدكتور الخريسات الى الوثائق العثمانية، ليطرح تمثيل المسيحيين، في خريطة تكوين مجلس إدارة قضاء السلط «حيث تشير السالنامات العثمانية المتوفرة الى أن بدايات تكوين هذا المجلس كانت في سنة 1286ه/1869م أي بعد سنتين من السيطرة العثمانية التامة على السلط. تكون هذا المجلس من 13 عضوا برئاسة القائمقام أدهم أفندي. ومن خلال تشكيله نرى بأنه جاء وفق التقسيمات العشائرية في المنطقة. فمن خارج السلط أي من البدو المحيطين بالسلط مُثّلت عباد بكايد الختالين، وبني حسن بحمد الحرحشي (الحراحشة)، وليس لدينا ما يشير الى تمثيل العدوان في هذا المجلس. ومن داخل السلط كان هناك عشرة أعضاء موزعين على النحو التالي: محلة الأكراد: ومثلها راشد الحياصة (الحياصات)، ومفلح الحمود (العربيات). محلة القطيشات: ومثلها حسين الصبح، ومبارك المفلح المحمود. محلة العواملة: ومثلها علي العميرة (أبو عميرة)، وسالم الحسين (أبو حمور). المسيحيون: ومثلهم داود اليعقوب (مخامرة/ الفحيص اليوم)، فرح قاقيش، صالح الجابر (أبو جابر)، وحنا قعوار».

البلدية.. والمحكمة النظامية
أما المجلس البلدي فقد «صدر قانون البلديات في عام 1295ه/1877م. وأول إشارة الى تشكيل مجلس بلدي في السلط تعود الى سنة 1304ه/1877م. وقد تشكل هذا المجلس من سبعة أعضاء من بينهم الرئيس الذي كان منحلا في هذه السنة، وأما الأعضاء فهم: فياض (الصبح)، عبد القادر اليعقوب (النسور)، أحمد أبو نوار والحاج علي عميرة من المسلمين، أما المسيحيون فكان عيد مفرح قاقيش وعيد عباس (الزقيحي الفاخوري).».
وحول مجلس الدعاوي (المحكمة النظامية)، يشير الدكتور خريسات الى أن «أول تكوين لمجلس الإدارة والدعاوي كان سنة 1286ه/1869م، وقد تكون من 12 عضوا بالإضافة الى القائمقام. وجاءت تشكليته على النحو التالي: (1) من عباد، (1) من بني حسن، (2) من عشائر الأكراد، (2) من عشائر العواملة، (2) من عشائر القطيشات، و (4) من المسيحيين وهم: داود اليعقوب (مخامرة من الفحيص فيما بعد)، صالح أبو جابر، فرح قاقيش، وحنا قعوار».

المضافات
يمر الكتاب في واحد من فصوله على المضافات في السلط، حيث يشير الى أنه «قد عرفت السلط المضافات منذ مطلع القرن التاسع عشر، وقد أشار الى هذه المضافات بيركهارت عام 1812م، وقد توزعت هذه المضافات على محلات (حارات) البلدة وهي: مضافة العواملة: وقد اشتملت على بيت واحد، سقفه من الخشب، بالاضافة الى ساحة سماوية، ويبدو أنها كانت ملك شخص منهم، وليست للعشيرة كلها، ويستدل على ذلك أن ملكيتها آلت في سنة 1204ه/1887م الى حصين بن منصور أبو حوران، المسيحي العثماني السلطي، وقام حصين بدوره برهنها الى موسى بم محمد الشقير الخليلي الأنصاري وإلى ولده أيوب بخمسمائة قرش. مضافة حسين الصبح الفواعير بمحلة القطيشات. مضافة العربيات، في حوش العربيات قرب السرايا. مضافة قاسم العمايري (الرحاحلة) غرب القلعة. مضافة أبو عنزة (الحياصات) بمحلة الاكراد. مضافة المسيحيين الروم بمحلة القطيشات، قرب دار محمد بن خلف المشامشة. مضافة (أبو جابر) في ساحة العين، وقد أشار أوليفانت الذي زار السلط عام 1880م الى حسن ضيافة أبي جابر. مضافة يوسف السكر، وقد أشادت جرترود بل بحسن ضيافته وكرمهم وذلك عند زيارتها للسلط في آذار عام 1900م».

العشائر المسيحية
في الفصل المعنون ب(الحياة الاجتماعية)، يقول الدكتور محمد خريسات، «وكما انقسمت المدينة الى ثلاثة أقسام وفق التنظيم العشائري في ذلك الوقت وهم: العواملة، القطيشات، الاكراد، فإن العشائر المسيحية قد انقسمت أيضا على هذه المجموعات الثلاث، فهناك مسيحيون مع عشائر العواملة، وأكثر هؤلاء أهل الفحيص اليوم، ومسيحيون مع عشائر القطيشات وأكثرهم الذين كانوا يسكنون في حارة الخضر (اليوم)، ومسيحيون مع عشائر الأكراد وهم عشيرة (قموة) وقسم من الحدادين (حداد)».
ويكمل الدكتور الخريسات بحثه في البنية الاجتماعية حيث يشير الى أن «المنهج التاريخي يحتم علي أن لا أدخل في أصول هذه العشائر، ولاالمكان الذي جاءت منه الى السلط وذلك لعدم توفر المصادر، وإنما سأكتفي بذكر العشائر التي وردت في الوثائق المتوفرة لدي من خلال سجلات المحاكم الشرعية، وسجلات دير اللاتين، والسجل الفيصلي. إن المتتبع للعشائر المسيحية يمكن تقسيمها الى قسمين كبيرين هما: 1- العشائر أو العائلات الوافدة الى السلط. وأغلب هؤلاء قد جاء للتجارة أو الوظائف الإدارية واستقروا في السلط. وقد أشارت اليهم السجلات الشرعية بالمتوطنين أو المقيمين بالإقامة المؤقتة. ووفق السجلات المتوفرة يظهر وجودهم في السلط منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر بصورة واضحة. 2- العشائر المستقرة في السلط قبل النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والتي أشارت اليهم السجلات (بالسلطي موطنا). ومن خلال الدفتر العثماني الذي أشار الى العائلات المسيحية في القرن السادس عشر، يكون آل حداد هم من أوائل العشائر المسيحية التي استقرت في السلط وقد ظهر اسمهم واضحا في السجل، أما بقية الأسماء فلم تكن لها دلالة تتفق وأسماء العشائر الموجودة في السلط».