«فجأة» اكتشفت تيارات الاسلام السياسي، ان ما يجري في ارض الشام هي حرب معلنة على «الاسلام والمسلمين عامة»!!.. لكنهم هؤلاء تحديدا الذين التقوا تحت راية السلفيين ممثلين بـ»المجلس التنسيقي الاسلامي العام» ولكم ان تتخيلوا كيف تُخْتَرع هذه الأسماء ويجري تضخيمها والنفخ فيها على نحو يصبح العضو فيها قادرا على اصدار فتاوى القتل والتكفير والجهاد محتكراً الاسلام والحقيقة ومهدرا دم كل من يعارضه الرأي بعد ان يكون قد اتهمه بالإلحاد والعمالة والافتراء على الدين الذي هو وحده «وصي عليه».
نقول: هؤلاء تحديدا هم الذين صمتوا ستة عقود على احتلال فلسطين وتشريد شعبها وهم في معظمهم صناعة الانظمة وأجهزتها وهم اصحاب الخطاب الذي يجتزئ النص القرآني ليشكل مظلة لانظمة الفساد والإفساد والطغيان «.. وأولي الأمر منكم» والمنابر والمنصات والحناجر جاهزة ومعروفة وموصوفة.
ما يجري في بلاد الشام (فقط منذ عامين ونيف) هو حرب مُعلنة على الاسلام والمسلمين والذين يشنونها ليسوا اليهود ولا النصارى، بل هم كفرة حتى لو شهدوا الشهادتين وحجّوا بيت الله وأتوا الزكاة وصاموا رمضان وحرصوا على اداء الصلاة بما هي عماد الدين، بل هم اشد كفرا من الذين قال المولى عز وجل «لن ترضى عنك اليهود» اما تهويد القدس وإعلانها عاصمة أبدية لاسرائيل ورفع نجمة داود على المسجد الأقصى والحفريات التي لا تتوقف تحت المسجد الأقصى الذي تكفي هزة أرضية بدرجة نصف من واحد صحيح من مقياس ريختر لتقويضه، ناهيك عن العبث بمقبرة مأمن الله واقامة كنيس يهودي ومرآب للسيارات وتدنيس ما تبقى من قبور لأولياء صالحين وصحابة فاتحين، فهذا كله لا يستدعي اعلان الجهاد او حتى الادانة في البيان «العرمرم» الذي صدر عن «العلماء» في القاهرة حيث يحكم الاخوان المسلمون ويتحكمون، والذي تفوح منه رائحة التحريض والشحن الطائفي والمذهبي والمراد به ايقاع الفتنة بين المسلمين وتحويل انظارهم عن مشروع «التمكين» الذي وافقت عليه واشنطن لمنح جماعات الاخوان المسلمين «فرصة» الحكم وايهام الشعوب العربية ان ليس امامها سوى نبذ الارهاب والتخلي عن الاسلام الفاشي (هل تذكرون كلمات جورج بوش الابن؟) واعتماد الاعتدال والتصالح مع اسرائيل والطمس على أي خطاب عروبي وحدوي نهضوي، يعيد للشعوب العربية حريتها ويطيح انظمة الفساد والافساد وترك من عاثوا بالارض فساداً ونهبوا الثروات الوطنية وارتهنوا سيادتها، يتعفنون في السجون ويتكللون بالعار..
هل قلنا التصالح مع اسرائيل؟
نعم.. سلفيو مصر الذين نظموا مؤتمر التحريض الأخير واصدروا «هم ورهط العلماء» البيان الفتنوي الداعي للجهاد في سوريا وتحويل الصراع مع العدو الصهيواميركي الى صراع سني شيعي، هم الذين قالوا في شهر ايار الماضي على لسان مساعد رئيس الجمهورية في مصر ورئيس حزب «الوطن» ان لا مشكلة لدينا في السلام مع اسرائيل..
هكذا وبالحرف الواحد، قال عماد عبدالغفور، الذي ساعد اخوان مصر في انشقاقه عن حزب النور، الذي كان اسهم في تأسيسه بعد ثورة 25 يناير، ذلك الحزب ايضاً (النور) سار على الدرب ذاته، ولكن عبر البوابة الاوروبية لتأهيل وتسويق نفسه، بديلاً عن جماعة الاخوان المسلمين، التي رسا عليها العطاء الاميركي لاختطاف ثورة 25 يناير وصرفها عن مسارها وادخال الشعب المصري في اتون فتنة افقية وعامودية يقف على رأسها تفتيت عنصري الامة (المسلمون والاقباط)..وتقديم الضمانات لاسرائيل التي يرأسها صديق مرسي العزيز، شمعون بيريس.
نحن اذاً امام جدول اعمال جديد قرره للمنطقة من اسموا انفسهم «علماء الامة» الذين اطاحوا كل منجزات وتراث الجامع الازهر والحوار بين المذاهب الاسلامية، وجعله وسيلة وحيدة لحل الخلاف بين اتباع الاله الواحد وكتابه الكريم وسنة رسوله خاتم الانبياء، بل إن هؤلاء «العلماء» طالبوا حكومات الغرب والمسلمين بالوقوف «الموقف الحاسم ضد النظام السوري المجرم وسرعة دعم الثوار السوريين»، أي انهم يتوسلون مساعدة الغرب الاستعماري المتصهين الذي يضع امن وحماية وتفوق اسرائيل النوعي والكمي على رأس اولوياته، فهل هي مصادفة هذه المطالب العلمائية؟ ام مجرد استعانة بالشيطان «المتصهين» لهزيمة الشيطان الاكبر الذي غدا في نظر هؤلاء رهط الكفرة الشيعة ومَنْ حالفهم؟
تدرك الشعوب العربية والاسلامية جيداً طبيعة ومغزى حملات موسمية مبرمجة كهذه، وهي انْ نَسِيَتْ فلن تنسى ان هؤلاء «العلماء» لم يحركوا ساكناً ولو بأضعف الايمان، ضد عتو اسرائيل وظلمها للشعب الفلسطيني واحتلالها لأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، فضلاً عن تلك الحملات «المقدسة» التي جرّدوها ضد الملحد السوفياتي، الذي شن عدواناً سافراً (الكلمات المعسولة ذاتها) على الاسلام والمسلمين في افغانستان، فيما واصلت اسرائيل تهويدها وتعميق احتلالها لكامل فلسطين ولم نسمع عنهم وكل تيارات الاسلام السياسي أي دعوة الجهاد او حتى تمنيات بالصلاة في المسجد الاقصى، مقارنة بمن تمنوا ان يُصلّوا قريباً في ... المسجد الأموي!!.
kharroub@jpf.com.jo