احمد ذيبان

فاجأني اتصال من «فاعل خير»، في اليوم الذي بدأت فيه الحكومة حجب المواقع الالكترونية غير المرخصة، وبدا الرجل منذ الكلمة الاولى محرجا، ويعتذر مسبقا عما سيقوله، وهو أنه مكلف من أصدقاء له،يديرون موقعا اخباريا، تعرض للحجب بسبب عدم استكمال شروط الترخيص، وفق قانون المطبوعات والنشر الجديد.
الرسالة التي يريد ايصالها ك»ساع بريد» فقط، أن أصدقاءه يبحثون عن رئيس تحرير للموقع، لاستكمال متطلبات الترخيص، حيث يشترط القانون أن يكون رئيس التحرير عضوا في نقابة الصحفيين.
وسألني اذا كنت أعرف زميلا، تنطبق عليه الشروط لترشيحه لهذا الموقع، وكانت المفأجأة في «العرض السخي»! لأصحاب الموقع، ويتضمن ان رئيس التحرير الذي يريدونه، ليس مطلوبا منه أي عمل ! لا يداوم ولا يتدخل بالعمل، فقط يبقى مرتاحا في منزله،حيث هناك رئيس تحرير فعلي يدير الموقع،لكن مشكلته انه ليس عضوا في نقابة الصحفيين !
قلت لفاعل الخير ان هذا أمر غريب، اذ أن رئيس التحرير يتحمل ومسؤول قانونيا عن كل ما ينشر في الموقع، ثم ليس هناك صحفي يحترم نفسه، ويحرص على كرامته المهنية والشخصية، يقبل بأن يكون شاهد زور، أي أن يؤجر اسمه فقط !
ومن قبيل التسلية سألت «فاعل الخير»: كم الراتب الذي سيدفعه «الجماعة» لرئيس التحرير الصوري؟ فكانت المفاجأة الأخرى الصادمة، ان الراتب هو مئة وخمسون «150» دينارا!
ربما لن تكون هذه الحالة الوحيدة، ومؤكد ان هناك العديد من المواقع، التي حجبت أو في طريقها للاغلاق، تبحث عن رؤساء تحرير بهذه المواصفات، والمسألة المهمة هي نظرة هؤلاء الناشرين، ونمط تفكيرهم بالنسبة لمهمة رئيس التحرير، أي أن بعض الناشرين، غالبا ليس لهم علاقة بمهنة الصحافة، يريدون ممارسة» هوايتهم «في ادارة مواقعهم ونشر ما يحلو لهم،من قصص واخبار، وربما توظيفها للابتزاز، بعيدا عن المعايير المهنية، وان رئيس التحرير مجرد دمية!
اختلط الغث بالسمين، في الاعلام الالكتروني خلال السنوات الماضية، حيث امتلأ الفضاء بمئات المواقع التي تناسلت كالفطر دون ضوابط !وهنا اود ان أذكر الزملاء في مجلس نقابة الصحفيين، بأن لا ينسيهم الاهتمام بالدفاع عن حرية الاعلام، ضرورة الحرص على كرامة المهنة من المتطفلين عليها، وتنظيم الصحافة الالكترونية أمر ضروري لحماية المهنة.فليس معقولا أن ينظر بعض ناشري المواقع، الى رئيس التحرير مجرد أسم للإيجار ! وأن راتبه مبلغ تافه، لا يصل حتى الى الحد الادنى للأجور !
في تسعينيات القرن الماضي، التي شهدت طفرة الصحف الاسبوعية، أضطرتني الظروف للعمل رئيس تحرير لأحدى تلك الصحف، وفق عقد قانوني وقعته مع الناشر لمدة ثلاث سنوات، فيه شرط جزائي لأي طرف يخالف بنود العقد، وقد اشترطت عليه ان لا يتدخل في شؤون التحرير، وعندما وجد نفسه بلا سلطة على تحرير المواد الصحفية، لكي يمارس الابتزاز ونشر مواد هابطة لاغراض شخصية، بدأ يتلاعب ويماطل ويختلق الذرائع لوقف اصدار الصحيفة، فلجأت للقضاء وكسبت القضية، وتضمن الحكم الزامه بدفع نحو «33» ألف دينار،لكن ذلك المتطفل على المهنة استأنف قرار الحكم، و- لانه محترف في التحايل- تبين أن ثمة خطأ شكلي لصالحه، يتعلق باجراءات ترخيصه للمطبوعة ! هذا النموذج قد يكون له أمثلة عديدة في الاعلام الالكتروني، وهو أمر يتطلب الحذر!
تاريخيا، ليس هناك علاقة ودية، بين الصحافة والسلطة في كل دول العالم، فالحكومات تخشى رقابة الصحافة ونقدها، والجدل القائم حول قانون المطبوعات أمر طبيعي، وعليه فان المطلوب، التوصل الى تسوية متوازنة، بشأن تعديل القانون، تنهي الفوضى اللامهنية،وتحافظ على كرامة الصحفي، وتعزز حرية الاعلام.
Theban100@gmail.com