ابراهيم العجلوني

الفارق كبير، وواضح جداً، بين «العقل» من حيث هو فاعلية حرة وبين العقل من حيث هو اداة تبرير.
و»العقل» من حيث هو، قابل لكلا احتمالي الفعل الحر والوظيفية المستلبة.
والعقل قد يكتفي بمهمات الاختصاص في فرع بعينه من العلوم، وقد يكون تكنوقراطياً اداتياً مسخراً لخدمة بنية سياسية او اكاديمية او اقتصادية، وثمة مسوغات جاهزة لهذه الالوان من الاقتصار على دائرة محدودة من اعمال العقل، ولكن من طبيعة العقل ان يمتد في فاعليته الى اوسع مدى ممكن، وان يغادر الاختصاص، سواء اكان قسرياً ام اختيارياً، الى ما يحقق له شمولية النظر.
ويفرق اصحاب المدرسة النقدية (من جماعة فرانكفورت) بين العقل التنويري والعقل الاداتي، ويرون في الثاني عقلاً موظفاً في خدمة «السلطة» وفي تسويغ خطابها، وهي تفرقة نلمس مدى صدقها حين نرى الى واقعنا السياسي العربي والى استيعاب بناه السياسية للتكنوقراط واهل الاختصاص والاكاديميين جملة في الوقت الذي ترفض فيه هذه البنى الفلاسفة الموسوعيين او المفكرين اصحاب النظر الشامل، او اصحاب الرؤى، او تحاصرهم، او تحد - على نحو او آخر - من اثرهم..
كما تذهب جماعة فرانكفورت الى ان «العقلانية الاداتية» تترجم عن واقع الاكراه الذي يخضع له الانسان، او يمضي فيه بضرب من الانخداع الذاتي، ولئن كانت النازية والفاشية والستالينية هي الشواهد التي كانت قائمة ايام انتبهت هذه الجماعة الى اثر العقلانية الاداتية في قهر الانسان، لنحن اليوم في شواهد كثيرة على ذلك، في عالمنا العربي وفي الغرب المستعر على حد سواء..
وكما سخرت السلطات الاميركية كلا من برنارد لويس وفوكوياما وهنتنجتون، وبعضاً من الاكاديميين العرب (صادق جلال العظم، هشام شرابي، وغيرهما) لخدمة مآربها السياسية في المشرق العربي الاسلامي، فان السلطات العربية تسخر «العقل الاداتي» او «العقلانية الاداتية» في خدمة بناها السياسية وصياغة خطاباتها، وفي كلا الحالين فان الطريق مسدودة امام العقل التنويري (الموضوعي والنزيه والمستكمل الابعاد) سواء اكان ذلك في الافق الغربي من عالمنا المأزوم ام في الافق الشرقي منه، وان ثمة مكابدة يعيشها ممثلو هذا العقل ويبلون مراراتها ولا بد في ضوء ذلك من ان يأخذ بعضهم بناصر بعض، وان يكون لهم لون اتحاد في مواجهة هذه الظلامية المعاصرة التي تطورت تقنياتها، وان بنا الساعة ان تنادي في جنبات الارض ان «يا عقلاء العالم اتحدوا»، فعسى يكون من ذلك بصيص امل لانسانيتنا المستلبة.. ولو كان بعيداً..