هل يمكن العثورعلى سياسي أردني واحد لديه الجرأة أو المزاج أو قدرة التحكّم بلسانه بحيث يكتفي بالحديث «بعيداً عن السياسة» وفي هذا الوقت بالذات؟ نقصد في فصل «الربيع العربي» الذي أصبح فيه كل شيء سياسة، وسياسة تعوم في فائض الشك ونكهات الريبة ومحفزات رفع الصوت.
 في السنوات الماضية وحتى فترة غير بعيدة ،كان الحديث «بعيداً عن السياسة» مغرياً وممتعاً للسياسيين المحترفين. فما يعرفونه ويجهله الشارع، هو أكثر بكثير مما يودّون الخوض فيه. الآن تغير الوضع واختلطت بعض الاشارات الحمراء بالصفراء بالخضراء.. حديث السياسي «بعيداً فعلاً عن السياسة» بات وكأنه تهمة بالغياب عن الصورة أو انعدام الموقف أو شبهة بجفاف الذاكرة .
ذوات سبق وتحدثوا «بعيداً عن السياسة « وكانوا ممتعين في سردهم الهادئ، اختلفت نبرة الكثيرين منهم هذه المرّة. حديثهم أضحى أكثر إثارة بالمواقف وأثرى بالتفاصيل التي وإن كان عمرها أكثر من خمسين سنة إلا أنها تأتي موصولة بالذي نراه الآن ويفاجئنا .
الحكي «هذه المرة « له ميزة أخرى. فهو يكشف أن العديد من رجالات الدولة الذين لم نكن نرى منهم سوى صفحة التجهم واليباس، هم بعد التقاعد أصحاب بديهة رائقة وتسعفهم النكتة عندما تحرجهم الأسئلة.
ملك التل

لم يكن محافظ البنك المركزي د. زياد فريز بحاجة لأن يبلغنا أنه لن يجيب على أية اسئلة تتصل بالسياسات المالية أو النقدية. فهذه ولاية «لبنك البنوك» يحرص المحافظ، هنا وفي كل بلدان العالم، على عدم الخوض فيها إلا وقت الضرورة.
ثم ان د. فريز بطبعه مقلّ في الحديث أو الظهور الإعلامي. حتى وهو في مواقع المسؤولية الأخرى العامة التي تقلب عليها منذ ان حصل على شهادة الدكتوراة عام 1978، فضلاً عن الرئاسات المصرفية, وخلال ربع القرن الماضي من التنقل في المسؤوليات المفصلية، استطاع أن يرسم لرجل الدولة صورة فيها الكثير من خصوصية تنطق بالأداء الذي يتحدث عن نفسه بغير استعراض أو أضواء.
من بين رجالات الدولة القلائل الذين يعتبرون ذخيرة الاختصاص في الاقتصاد
 –والاقتصاد هو الوجه الآخر للسياسة – فإن د. فريز خلال العقود الثلاثة الماضية تناوب «الخفارة المؤتمنة «على المفاتيح والخزائن ذات الصلة بالأمان الاقتصادي الوطني، بدءاً من التخطيط والمساعدات الخارجية مروراً بالمالية والتجارة والتخطيط إلى خزنة العملة الوطنية واستقرار الدينار. وفي كل تلك الخفارات كان أبو محمد سلطياً عنيداً (إذا جاز لنا استخدام التعبير الشائع المثقل بالودّ والأنفة) بقدر عال من الانفتاح الجدي المحروس بالخبرة والضمير.. ولأنه كتوم واثق من نفسه ولا يراها بحاجة للاستعراض فإن ذوي الاختصاص هم الذين يعرفون بالضبط حجم ووزن وأهمية الذي حققه الرجل ليعبر الأردن سلسلة من الأزمات والاختناقات بأقل الأثمان.
مثالاً على ذلك ما شهدت به تقاريرالمؤسسات الدولية فضلاً عن الأركان المصرفية المحلية من أنه لولا ما اتخذه البنك المركزي من إجراءات نقدية ومالية في فترة ارتداد الأزمة المالية العالمية وتباطؤ وصول المساعدات العربية وانقطاع الغاز المصري، فإن معضلة العجز كان يمكن أن تكلفنا أضعاف الذي نشكو منه ونتحوط له. وليس أدل على ذلك من أن سندات الخزينة التي أصدرها المركزي مؤخراً جرى تغطيتها مضاعفة مع تخفيض صحي لسعر الفائدة على الدينار الذي عبرت سفينته أكثر من عاصفة.
ثلاث خصوصيات ورثها أو اكتسبها أبو محمد في فترة التفتح والتشكلّ الذهني والنفسي للشباب، ظلت معه تحرسه من الشطط والتطرف ضمن المدارس الاقتصادية التي تعاقبت بالتجريب على واجهة المسؤولية في هذا القطاع الوطني: الخصوصية الأولى ورثها من الراحل والده وهي الحس التجاري الذي يتعامل بالأرقام المحسومة. نصف نهاره كان يمضيه في المدرسة والنصف الآخر في متجر الوالد.
الخصوصية الثانية اكتسبها من حزب البعث العربي الاشتراكي الذي يؤمن بأن الدولة مسؤولة عن الآمان المعيشي لمواطنيها بحيث لا تتغول عليهم حرية السوق والليبرالية الشرسة.ولذلك فإن د. فريز يعتبره الكثيرون «أبو نظرية الدعم لمستحقيه» حيث كان وما زال من أبرز المطالبين بأن يكون دعم الدولة مالياً وليس سلعياً وذلك لكي يصل مباشرة لأهله ومستحقيه.
الخصوصية الثالثة تعلمها أبو محمد من عمه المربي والأديب حسني فريز وهي الولع بالقراءة وحب الشعر والحصافة اللغوية وهواية طاولة الزهر في أماسي أيام العطلة الأسبوعية.
في وقت ما من صباه كان زياد مرسال القصائد بين عمه الأديب حسني فريز والشهيد وصفي التل الذي يؤمن – كما يؤمن فريز – بان المسؤولية العامة حراثة وفلاحة في الأرض الطهور، وان الكفاءة والنزاهة هي شرط استعادة وإدامة هيبة الدولة ومؤسساتها.




ثقة الناس بالحكومة والمسؤولين عملية تراكمية يجب أن تستمر وتصبح جزءاً من الثقافة والقيم العامة في المجتمع

•    يشكو الكثيرون من أن مبدأ الشفافية في الأرقام ليس ملزماً أو قطعياً عندنا بدليل أن بعض المسؤولين تحدثوا قبل سنة بأن أوضاعنا العامة جيدة ثم عاودوا بعد أشهر قليلة وقالوا أن أوضاعنا حرجة جداً وتهدد بالإفلاس، وفي كل مرة كانوا يعطون ارقاماً تدعم أقوالهم. لعبة الأرقام هذه تبدو للناس غير موثقة؟

معروف أن الأرقام تقرأ وتفسر بأكثر من طريقة. هناك إيجابيات قد يبنى عليها الاختلاف في القراءات وهناك سلبيات.، مثلاً قد يقال أن معدل النمو الاقتصادي كان 3 أو 4% وهذا صحيح، لكن أيضاً يجب أن يقال بأن هناك عجز في الموازنة بلغ نسبة معينة، وهذا سلبي. في رأيي أن هناك دوما مجموعة من الأرقام بعضها إيجابي وبعضها سلبي، من أراد أن يقرأ الأرقام الإيجابية فله ذلك ومن أراد أن يقرأ الأرقام السلبية فليقرأها. لكن الطريقة الموضوعية هي النظر إلى الصورة الكلية، وأن يجري النظر إلى الإيجابيات ويبنى عليها، والتعمق في السلبيات وفي مواطن الخطأ في المشهد الاقتصادي ومحاولة تجنبها.. الأساس أن لا ننتظر وقوع المشكلة بل نحاول اتخاذ الإجراءات السليمة، وفي كل الحالات يتوجب أن تقدم الحقائق للناس من خلال المعلومات التي تبنى على ارقام دقيقة وصحيحة، وأن يجري توضيح المشكل الاقتصادي والاجتماعي للناس بحيث يمكن معالجته قبل تفاقمه.

•    بمناسبة الحديث عن الثقة والموثوقية، لماذا هذه الفجوة الكبيرة التي ترسخت في عقول الناس وقناعاتهم تجاه العديد من مؤسسات وسلطات الدولة. وكيف يمكن أن تستعاد هذه الثقة المهزوزة أو المفقودة؟

الثقة عادة ترتبط بدرجة المصداقية، فكلما ازدادت السياسات وضوحاً وبينت الحقائق للناس بشكل واضح تتعاظم الثقة. عندما يستعمل بعض الساسة الأرقام لتزيين الصورة التي تكون أصلا قاتمة ثم يتبين أننا نواجه مشكلة فإن المصداقية تتأثر، وبالتالي تتآكل الثقة. لا بد من التواصل المستمر وإيصال المعلومة الصحيحة للناس وفي الوقت المناسب.. وهذه عملية ليست قصيرة المدى. هي عملية تراكمية يجب أن تستمر وتصبح جزءا من الثقافة والقيم العامة في المجتمع.

•    هذا يقودنا إلى موضوع السوق المالي مثلاً حيث يقال دوماً أن الثقة فيه اهتزت قبل عدة سنوات ولم يستطع المسؤولون من القطاعين العام والخاص أن يستعيدوها. كيف ترون الأسباب التي جعلت السوق المالي عندنا يبدو يتيماً ولا يجد من يعيد له توازنه بعد هزة الأسواق الدولية قبل خمس سنوات؟

لقد حصل أن الأزمة العالمية والحراك في المنطقة وعدم استقرارها أثرت كثيراً على الاستثمار الاقليمي سواء من الصناديق في الخارج أم من داخل المنطقة ككل. كان هناك تراجع في الطلب على الأسهم، أيضاً شح في السيولة بشكل عام أدى إلى التراجع ونقص الثقة، بمعنى أن المشكلة ليست في عدم الثقة والمصداقية في ديناميكية السوق بقدر ما هي عدم الثقة بمستقبل أوضاع السوق. وقد شهدنا مؤخراً أن السوق بدأ يعود إلى وضعه الطبيعي بعد أن وصلت الأسعار إلى حدود دنيا غير مقبولة من ناحية القيمة السوقية مقارنة مع القيمة الحقيقية للأسهم، وتوقعاتي في الفترة المقبلة ان شاء الله أن السوق سيشهد تطوراً ايجابياً خاصة بعد أن أصبح الناس أكثر اهتماماً بالمعلومات الاقتصادية للشركات المدرجة.

•    هل تشعرون بالقلق عندما ترون أن البنوك الأردنية، مثلاً، مملوكة أسهمها بأكثر من النصف لغير الأردنيين؟

هذا موضوع عام ولا يخص الأردن لوحده.. يهمنا جدا أن يكون الاستثمار الأجنبي موجودا، لكن المسألة الرئيسية بالنسبة لنا- وهي الجانب الأهم سواء كانت ملكية البنك محلية أو أجنبية- هي التأكد بأن ودائع الناس في أمان، وأن هذه الأموال تستعمل بحصافة وعقلانية وعدالة وان هذه البنوك تتمتع بسيولة جيدة، وتلتزم بالسياسات العامة وبسياسات البنك المركزي بشكل صحيح، بحيث تؤدي إلى الحفاظ على أموال المودعين بشكل سليم وبنفس الوقت تفضي إلى تحقيق عائد جيد للمساهمين يجعل الجهاز المصرفي الأردني في وضع صحي جيد قادر على المساهمة في التنمية والاستثمار. قناعتنا هي أن قوة الجهاز المصرفي دعامة أساسية من دعامات الاقتصاد الأردني.
•    على ذكر البنوك هل تعتقدون ان الجهة الاشرافية لقطاع التأمين يجب ان تكون البنك المركزي وليس الصناعة والتجارة كما جاء ذلك بتصريح من وزير سابق استلم حقيبتيّ المالية والصناعة والتجارة؟
أعتقد أن قطاع التأمين من أهم القطاعات الادخارية في البلد وإن لم يأخذ دوره المفترض حتى الآن. هذا القطاع يجب ان يحتل مساحة أهم في إجمالي الادخارات الوطنية. كما ويجب أن ينمو بشكل أكبر وان تتوسع خدماته بشكل أفضل مما هي عليه. ولهذا أعتقد أن الأساس أن تكون هيئة التأمين هي الجهة المعنية بالتأكد أن هذا القطاع يتم إدارته بشكل صحيح وأنه يخضع لمراقبة جيدة من حيث استعمال الأموال والسياسات التأمينية، وهذا يتطلب تقوية ودعم هيئة قطاع التأمين حتى يستطيع القطاع أن ينمو ويتوسع بزيادة وتوجيه المدخرات الوطنية طويلة المدى.
قطاع التأمين في كل العالم قطاع رئيسي في مجال الادخارات الوطنية، ولكنه عندنا ما زال متواضعاً بالنسبة لإجمالي الوضع العام ولا يتناسب مع واقع الاقتصاد الأردني.. في معظم الدول الحديثة هناك هيئة مستقلة منظمة لقطاع التأمين تتمتع بصلاحيات جيدة تؤهلها لتنمية هذا القطاع وهذا ما يفترض ان يكون لدينا.

استراحة

* يقول أصحابك أن مساحة السلط في قلبك لا حدود لها:

هذا صحيح.. السلط عندي من أجمل مدن الدنيا. عندما رحلنا منها كنت كل يوم خميس تقريبا أذهب اليها في الباص. هي بالنسبة لي مدينة جذابة عريقة رائعة الجمال. كنت وما زلت أعشقها بعبقها الأنيس وتاريخها الأثير.. السلط تستحق ان نفتخر بها وبروادها الذين درسوا في مدارسها وتحديدا في ثانويتها التي خرجت أجيالاً تسلموا مواقع ومناصب هامة في ادارة شؤون الدولة منهم: هزاع المجالي، وصفي التل، خليل السالم، بهجت التلهوني، حمد الفرحان، حسني فريز، سعد جمعة، د.عبد السلام المجالي، د. عبدالله نسور، اسحق فرحان، رياض المفلح، نجيب الرشدان، د. ابراهيم زيد الكيلاني وآخرون كثر يصعب حصرهم.

* وانت السلطي المعتز بمدينته، يقال ان تعصب السلطيين يدفعهم أحيانا إلى مواقف حدية غير منطقية بنظر الآخرين – هل وجدت يوماً نفسك في مواقع المسؤلية تتصرف بهذا الوحي ثم تندم لاحقا ؟

لا أتردد أبداً في مراجعة نفسي إذا كان هناك خطأ. الإنسان لا شك أنه في أحيان كثيرة يندم على بعض المواقف والقرارات أو بعض العبارات.

* ويقال أيضا ان السلطي كريم يستدين المال ليقدم المنسف لضيفه! فهل تعتبر نفسك من مغرمي هذه الوجبة الاحتفالية التي أصبحت جزءاً من الطقوس الاجتماعية وأيضا السياسية؟

بكل أسف، نعم أنا مغرم بالمنسف..لا بد منه وإن أصبح وجبة ثقيلة الظل.