هزاع البراري - هو ابن المرحلة القلقة، منذ بدأ نجم الدولة العثمانية يخبو سريعاً، تاركاً آثاره المؤلمة في جسد ورح والأمة العربية، التي عانت من الإهمال، والتمييز العنصري، والمغالاة في فرض الضرائب والتجنيد الإجباري، وكبت الحريات، خاصة مع استلام حزب الاتحاد والترقي الطوراني لمقاليد الحكم، بعد خلع السلطان عبد الحميد، وما نتج عن ذلك من محاولة تتريك العرب، من خلال القضاء على هويتهم ولغتهم، وصهرهم عنوة في الدولة التركية، وكان اللواء راضي عناب من أبناء الجيل، الذين عايشوا هذه المرحلة وما بعدها، بكل ما تضمنت من مصاعب وعقبات، وغياب للتنمية، فكابدوا من أجل تحقيق أحلامهم، والمساهمة في نهضة الأمة، حتى تمكنوا من تحقيق ما يشبه المستحيل.


راضي عناب صاحب ريادة، فلقد كان من الضباط المؤسسين في الجيش العربي الأردني، وهو الذي نشأ على قيم العروبة والقومية العربية، كما أنه نبت في بيت عسكري، فورث حب الجندية وتربى عليه، فهو من مواليد عام 1898، أي قبيل إنبلاج فجر القرن العشرين، الذي حمل للمنطقة والعالم تحولات جذرية ناتجة عن حربين كونيتين، وأيديولوجيات قسمت العالم إلى أقطاب. ولد راضي عناب في مدينة نابلس، المدينة التي ناظرت مدينة السلط، وتداخلت معها في البنى التضاريسية والديموغرافية والصلات التجارية، وكان والده الحاج حسن عناب، جندياً في الجيش التركي، الذي ضم كثير من أبناء العرب، الذين رأوا في جيش الدولة العثمانية، جيش الخلافة الإسلامية، المدافع عن الحمى والمقدسات، قبل أن ينحرف به الاتحاديون في مسارات عنصرية منفرة. وقد غرس الحاج حسن بابنه راضي حب الخدمة العسكرية، كونها رجولة وانضباطا واحترافا، بالإضافة كونها واجبا على الشباب، خاصة في المحن والشدائد.

التحق راضي عناب بمداس مدينة نابلس، وكان منذ خطواته الأولى طالباً نبيهاً، وتلميذاً منضبطاً ومجتهداً، وكان مشدوداً للجيش والخدمة العسكرية، حتى صار هذا الهدف حلماً بالنسبة له، كما كان صحيح الجسم قوي البنية، شجاعاً ومقداماً مما أهله للنجاح والتميز في العسكرية. ولم يخلى عن عشقه هذا حتى بعد أن أنهى دراسته ونال شهادة الثانوية العامة بنجاح، بقي يفضل الجيش ورغم التحاقه بمعهد المعلمين في بيروت. حيث اضطر إلى مغادرة مدينته نابلس والإقامة في لبنان، وفي بيروت توسعت معارفه، ونهل من ثقافة غنية، بفضل النهضة العلمية والثقافية فيها، وانفتاحها على العالم كونها ميناء مهم على البحر الأبيض المتوسط، وكان متعطشاً للمعرفة والعلم، منفتحاً على الأفكار والثقافات، ومطلعاً على ما يجري في المنطقة والعالم.
بعد أن أنهى دراسته في معهد المعلمين، لم يعمل في التعليم رغم أن دراسته تؤهله لذلك، وتساعده على التقدم السريع فيه، غير أنه وجد الفرصة سانحة لتحقيق حلمه، فقرر الالتحاق بالجيش العثماني، فهو مطلوب على كل حال للخدمة العسكرية الإجبارية، فأصبح ضابطاً في هذا الجيش الكبير والمترامي الأطراف، والموزع على عدد كبير من جبهات القتال المستعرة، وقد لاحظ كضابط عربي في الجيش العثماني، التميز بين العرب والأتراك، والتشكيك في ولائهم وإخلاصهم، لكنه قام بواجبه كضابط في جيش إسلامي يمثل الأمة، كما تواصل مع الضباط العرب في الجيش العثماني، وجلهم شباب متعلم ومتنور، وقد ساءهم ما آل إليه واقع العرب تحت الحكم العثماني خاصة في بدايات القرن العشرين، وكان هؤلاء الضباط ينتظرون الفرصة السانحة، التي تمكنهم من مساعدة أمتهم العربية في التحرر والاستقلال.
عندما أعلن الشريف الحسين بن علي شريف مكة، انطلاق الثورة العربية الكبرى عام 1916، وبدأ جيش الثورة بالتقدم شمالاً، فأخذ الضباط العرب ينشقون عن الجيش التركي، وينضمون لجيش الثورة العربية، وكان راضي عناب واحداً منهم، وكان لهؤلاء الضباط دور مؤثر في المعارك التي دارت بين العرب والجيش التركي، وقد تكللت الثورة بالنجاح الباهر، ونتج عنها إقامة الحكومة العربية في دمشق، تحت إمرة الملك فيصل بن الحسين، لكن هذه الحكومة لم تدم طويلاً بسبب استحقاقات سايكس – بيكو، ومؤامرة تقسيم بلاد الشام والعراق، وقد جاء راضي عناب إلى شرق الأردن، وأنضم إلى الأمير عبد الله المؤسس، فقد كان من بين من استقبله في معان من رجالات الأردن وأحرار العرب، مؤيدين جهود الأمير في تأسيس حكومة في شرق الأردن، لتكون قاعدة لدعم الثوار والمناضلين العرب.
لم يغادر راضي عناب الأردن بعد ذلك، بل واكب مرحلة التأسيس الأولى بكل تعقيداتها ومصاعبها، وتجاوز المواكبة إلى المشاركة العملية في تأسيس الركيزة الأساسية في بنية الدولة الأردنية الحديثة، التي نبتت وسط منطقة مضطربة سياسياً وعسكرياً، فقد كان عناب واحداً من الضباط الذين شكلوا نواة الجيش العربي الأردني عام 1923، مستثمراً خبرته العلمية والميدانية في العلوم العسكرية، مما مكنه من البروز سريعاً كضابط محترف، يتمتع بقدرات قيادية وتخطيطية، كما تميز بالولاء وعمق الانتماء، وكان مبادراً ومقداماً، عرف بالشجاعة ومقارعة المخاطر، خاصة أن الجيش الأردن أوكلت له مهام قتالية في بواكير تأسيسه.
نظراً لتميز أدائه وانضباطيته العالية، شغل خلال خدمته العسكرية الطويلة نسبياً، عدداً كبيراً من المناصب العسكرية القيادية، فقد عين قائداً عسكرياً لمنطقة الخليل، كما شغل منصب قائد شرطة القدس، وكان الأمن العام لفترة طويلة تابعاً للجيش، حيث عين قائد الأمن العام لمنطقة البلقاء بتاريخ 15/7/ 1930، وخلال هذه الفترة تنقل راضي عناب بين مناطق ومناصب عديدة، فقد أعيد تعيينه قائدا للأمن العام لمنطقة البلقاء للمرة الثانية، وذلك بتاريخ 1/9/1937، بعدها أنتقل إلى الكرك قائداً للأمن العام فيها في 20/6/1938، ليعود بعدها إلى منطقة البلقاء للمرة الثالثة قائداً للأمن في 23/7/1941، لينقل بعدها قائداً لشرطة عمان في 20/10/1943، وقد أنهى جولته في المدن والمحافظات كقائد للأمن العام بخدمته في منطقة عجلون بتاريخ 1/4/1944.
لقد تميز راضي عناب بنجاحه وتميزه في كل موقع شغله، حيث كان يترك الأثر الطيب، والمعاملة الحسنة، مع الحزم والشدة في موقعهما المطلوب، لذا كان من أنجح قادة الأمن العام في المدن والمناطق، مما كفل له مكانة متقدمة بين كبار ضباط الجيش العربي الأردني، وكل هذه الإنجازات فتحت الطريق أمامه ليعين بمنصب مساعد رئيس الأركان للإدارة، وذلك خلال من 11/11/1951 وحتى 1/7/1952، وكان قائداً يعتد به، فقد حصّل خبرة واسعة، وخدم في قطاعات متعددة، لذا كلما تسلم منصبا جديدا أثبت أنه أهل للثقة وعلى قدر المسؤولية.

كان اللواء راضي عناب على موعد مع الإنجاز التاريخي، عندما أتخذ المغفور له جلالة الملك الحسين بن طلال، قراره التاريخي بتعريب قيادة الجيش العربي الأردني، وتطهير الجيش من الضباط الإنجليز، فقد أصدر للحكومة أمره السامي باتخاذ الإجراء الفوري، للاستغناء عن خدمات الفريق الإنجليزي جون كلوب باشا، وغيره من الضباط الإنجليز، وقد صدر القرار عن الحكومة التي كان يرأسها دولة سمير الرفاعي فجر يوم 1/3/1956 قبل وصول الخبر إلى كلوب باشا، فتم إنهاء خدمات الفريق كلوب باشا من منصب رئاسة أركان حرب الجيش العربي الأردني، وترفيع الزعيم – العميد – راضي عناب لرتبة أمير لواء وتعيينه بمنصب رئيس أركان حرب الجيش العربي الأردني، وضمن القرار أيضاً تم إنهاء خدمات القائم مقام باترك كوجهل، والزعيم هتن.
كان لتعريب الجيش العربي من قبل المغفور له الملك الحسين بن طلال، صداه الواسع محلياً وعربياً وعالمياً، واعتبره كثير من المحللين نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة، ومن حسن حظ اللواء راضي عناب أنه كان أول ضابط عربي أردني يتسلم قيادة الجيش العربي الأردني، وقد أحيل على التقاعد في شهر أيار من عام 1956، بعد خدمة حافلة بالإنجازات والنجاحات المتواصلة، وقد نال اللواء راضي عناب خلال مسيرته، عدداً من الأوسمة الرفيعة منها: وسام الاستقلال، ووسام النهضة، وغيرها من الأوسمة والتكريمات التي عبرت عن مكانته وتميزه، فهو دائم الحضور في الذاكرة الوطنية، كواحد من أبرز قادة الجيش الأردني، الذين عاصروه منذ تأسيسه في فترة مبكرة من عمر الدولة الأردنية.

hbarari54@hotmail.com