أمينة منصور الحطاب -  شهدت نهايات القرن العشرين وبدايات الألفية الثالثة - نتيجة التقدم التقني والانفجار المعرفي- تقدماً ملحوظاً في دراسة الشخصية وسماتها ومكوناتها ، خاصة أسلوب الفرد في التعامل مع مختلف المواقف التي يمر بها باعتباره كائناً متفرداً في خصائصه العقلية والجسمية والانفعالية ، إذ أن نجاحه وتقدمه في حياته مرهونان بنوع التفضيلات المعرفية التي يستخدمها في مختلف أوجه حياته ، لذا نجد معظم الطلبة يتخذون كثيراً من القرارات التي تواجههم خلال ممارسة أوجه حياتهم المختلفة كتلك التي تتصل بخبراتهم الشخصية والاجتماعية والتربوية ، وعندما يواجهون مواقف أو مشكلات تؤثر في قدرتهم على النجاح اجتماعياً أو تحصيلياً فإنهم يتبنون طرقاً للتعامل مع هذه المشكلات تسمى « أسلوب التعلم « حيث يشير أسلوب التعلم إلى الطريقة التي يتعلم بها الفرد في استقباله أو تحليله للمعلومات ، وكيفية معالجته للمشكلات التي تعترض سير تقدمه وبوجه عام فإن أساليب التعلم والتفكير تعتبر عادات لتجهيز المعلومات ، إذ يتضمن مجال أسلوب التعلم مفاهيم أخرى مثل الأسلوب المعرفي الذي يشير إلى الفروق الفردية في طرق الإدراك والتفكير .
وقد أشار الباحثون إلى أن الأفراد يميلون إلى الاعتماد بشكل متسق على أحد جانبي الدماغ أكثر من الآخر أثناء معالجة المعلومات ، حيث أشير إلى هذا الجانب بالجانب المسيطر ( السائد) لدى الأفراد ، وترتب على ظهور مفهوم السيطرة الدماغية أو السيادة الدماغية افتراض مفاده أن سيطرة أحد جانبي الدماغ لدى الأفراد يمكن أن يعبر عن نفسه على شكل أسلوب معين يتبناه الفرد في عملية التعلم والتفكير ومن هنا نلمس اهتمام المربين على اختلاف مستوياتهم التعليمية سواء في المدارس الأساسية منها أو الثانوية ، أو حتى في المستوى الجامعي بهذه الظاهرة المهمة في عملية التعلم والتفكير في محاولة منهم لفهم الأسلوب المفضل لدى الطلبة في عملية التعلم والتفكير عن طريق دراسة الارتباط بين أسلوب التعلم والتفكير والوظائف التي يقوم بها النصفان الكرويان للدماغ ، وقد ازداد الاهتمام بدراسة أساليب التعلم والتفكير والتفضيلات الدماغية من خلال إعلان عقد التسعينات عقداً للدماغ نتيجة الاكتشافات الهائلة في بنائه ووظائفه خلال العشر سنوات الأخيرة من القرن العشرين ، والتي تفوق كثيراً ما عرف عنه في تاريخ البشرية ، حتي يمكن القول إن الدماغ البشري جهاز فريد في الكائن الحي سواء كبنية أو وظائف ، فروابطه وديناميته ، وعلاقته بالجسم والعقل لا يماثله شيء آخر تعامل معه العلم حتى الآن .

من ناحية أخرى تشير كثير من الدراسات التي استندت إلى نظرية النصفين الكرويين للدماغ للعالم روجر سبيري والتي اهتمت بوظائف جانبي الدماغ ، الجانب الأيسر والجانب الأيمن ، إلى أن أنماط التفكير السائدة لدى طلبة المدارس والجامعات بناءً على وظائف جانبي الدماغ تركز على نمط التفكير التحليلي ، واللغوي والمنطق الرياضي ، وهذه الأنماط من التفكير من وظائف الجانب الأيسر للدماغ ، في حين أن وظائف الجانب الأيمن للدماغ تركز على نمط التفكير البصري والمكاني والحدسي والتركيبي والإبداعي والكلي وهذه الأنماط في تراجع مستمر خاصة الوظيفة الأهم وهي التفكير الإبداعي .
إن السيطرة الدماغية من العوامل المساهمة في العملية التعليمية ، خاصة إذا ما علمنا أن البيئة المدرسية قد صممت لتؤثر على أساليب التعلم المختلفة لدى الطلبة حيث تبين أن المدرسة تفضل نوعاً معيناً من التعليم على أنواع أخرى ، إذ أن مراجعة متعمقة لما يجري من تعليم وتعلم في المدرسة بدءاً من مرحلة الحضانة حتى نهاية المرحلة الثانوية تبين أن معظم المعلمين يعترفون بأن المدارس هي ذات نصف دماغي أيسر ، وهذا يعني أن النصف الدماغي الأيسر مفضل من قبل الطلبة في عملية التعليم – التعلم ، على حساب إهمال واضح في تنمية وظائف الجانب الأيمن للدماغ .
إن الطلبة الذي يتعلمون من خلال طرائق تترافق مع نمط السيطرة الدماغية السائدة لديهم يحققون نتائج مرتفعة في عملية التعلم – التعليم ، بعكس هؤلاء الطلبة الذين يُعَلّمون بطرق غير متسقة مع نمط السيطرة الدماغية السائدة لديهم .
وتشير الدراسات إلى ان الكفاءة في عملية الأداء ترتبط بشكل كبير بالجزء الأيسر للدماغ لأنها تحتاج إلى عملية تفكير متسلسلة ومتتابعة وفي الجانب الآخر فإن عملية الفعّالية في الانجاز تتركز في معظمها في الجانب الأيمن للدماغ ، حيث أن هذه الجزء من الدماغ مسؤول عن عملية التفكير الإبداعي والرؤية المستقبلية التي تتجلى عن عملية التصور المستقبلي .
ومن الأهمية بمكان أن تتم معرفة وظائف جانبي الدماغ من قبل المعلمين ، لأن المعلمين غالباً ما يعلمون طلبتهم بالطريقة التي تعلموا بها وبالتالي فهم بحاجة لمعرفة الكثير عن أنماط تعلم طلبتهم حتى يتمكنوا من تحقيق نتاجات تعليمية ذات مستوى راقِ لدى طلبتهم .

Ameeneh@live.com