تلك القرية.. غرب مأدبا.. هدؤها يوحي بمخزون ذاكرة، وزخم تاريخ، يسكن فيها، حيث حكاية الانسان الذي عايش المكان، فكانت أحرف التكوين الأولى قريبا من تل جلول، ومن الخربة، ومن مرابع الأهل هناك.

فهّار
تلك «جِلُول»، واحدة من قرى بني صخر، «تابعة لفرقة العامر الزبن، لمناور بن فهار بن زبن»، كما يُعرّف عليها أهلها. وأبناء «جِلُول»، وسكانها، هما تاريخيا، «كلهم أولاد فهّار بن نوفل الزبن العامر بني صخر» . وحين يكون الدخول من بوابة التاريخ الاجتماعي للقرية، وأهلها، يمكن تتبع تفاصيل شجرة هؤلاء الأبناء، وبعدهم الأحفاد على النحو التالي: «فهار النوفل الزبن العامر بني صخر، خلّف ثلاثة أبناء هم مناور، وحيدر، وفهد.. الابن الأكبر مناور خلّف ثلاثة هم (جديع، وحتمل، وشخيتير): جديع عقّب الأسود. وحتمل عقّب كل من العويصي، ورافع، وجزاع، وصقر، وصقر، وعكّاش، وهويمل، والصافي. أما شخيتير فعقّب عارف. الابن الثاني لفهّار النوفل، هو حيدر، الذي عقّب كل من شبيب، وتركي، ونايل، وعمير. بينما الابن الثالث لفهار النوفل، فهو فهد، الذي عقّب الأدهم وطبان. ولن يكون هناك توسّع في الفروع بعد ذلك لأن الحديث يتسع ويتشعب، كما أن بعض هؤلاء الأبناء لم يعقّب، وبعض آخر امتد نسله، ولذا فربما نكتفي بهذا القدر من السرد في سياق فرع المشجرة من فهار النوفل الزبن.

توثيق.. تدقيق!
هنا أتوقف لأشير الى كتاب خمسة أعوام في شرقي الأردن للأرشمندريت بولس نعمان، الذي كتب في مقدمته عن ظروف وتوقيت كتابته لهذا الكتاب، بقوله «لقد جلنا في الشرق العربي قبل المجزرة الكونية، وطوينا خمسة أعوام بتلك الديار الداثرة، وسرّحنا الأنظار في هاتيك المدن البائرة، وتأملنا ما كانت عليه من المجد والثروة ووفرة السكان في الأجيال الغابرة، وكيف انقرضت بعد أن تعاقبت عليها الدول الفاتحة. وقد وقفنا على الأطلال المبعثرة آثار ممالك بائدة، فملكتنا رهبة الأزمان الدابرة، وتذكرنا قول الشاعر العربي: أتى على الكل أمر لا مرد له/ حتى قضوا فكأن القوم ما كانوا. فسبحان من لا يتغير بتغير الأدهار. وعدنا بعد الحرب الكونية، ورأينا فيها إمارة واسعة الأرجاء، يسوسها ويحكمها سليل البيت الهاشمي، الامير عبد الله المعظم بعلم وفطنة وذكاء.. وقد لقينا في مقر الأمير، بشهر كانون الأول سنة 1927م حفاوة وإكراما وترحيبا، وأحيينا في خلدنا ذكر أمراء العرب الأماثل، وتمثلنا الكرم الحاتمي والعلم الزاخر والأدب الرائع في كل مظهر من مظاهر الفتانة. وقد علم سمو الأمير بكتابنا هذا فاستنهض همتنا الى نشره وتعميم فائدتهن فلم نر بدا من تحقيق أمنيته ورغبة الكثيرين من أصحاب العرفان..». بعد هذه الفقرات من التوطئة يكون الوصول الى تعليق حول جدول العشائر والفرق والشيوخ في شرق الاردن في تلك الفترة، حيث كتب في التوطئة بأنه «.. وقد رأينا أن نضيف الى هذه المحاضرات جدولا عاما عن عربان شرق الأردن، ذكرنا فيه العشائر كلها وفرقهم وشيوخهم ومواقعهم والرجال المسلحين منهم وعدد بيوتهم، مع حواش قيّمة عن درجة غناهم وصلاتهم بمن جاورهم ونفوذهم، الى غير ذلك مما تلذ مطالعته. وكنا نحب أن نستقي تلك الأسماء من مصادر الحكومة الرسمية، فلم نجد ما يروي غليلا إلا ما جمعناه بنفسنا بعد مجهود كبير لا يعرفه إلا من عانى مثل هذه الأبحاث النادرة..». وهنا أعود الى جلول، والى فرقة الزبن، حيث إشكالية الكتاب في توثيق الاسماء، وربما توزيعها أيضا، ولعل في التوطئة المشار اليها، هناك اعتراف بصعوبة هذا التوثيق، وعدم وجود مرجعية لهذا سوى السماع، والذي قد يكون في الاستقبال مكشلة او في الكتابة والتوثيق، والكتب بين يدي في طبعته عن الدار الأهلية عام 1989م، يكتب الزبن بالياء، أي الزين، وهذا مما يستدعي التدقيق، وربما هنا الوقفة بحاجة الى مراجعة من أهل المنطقة أنفسهم، والربط مع واقع الحال في ذلك التاريخ، وهنا في الجدول يشير الى فرقة الزبن (الزين كما في الجدول)/ الشيخ فهد الطراد/ موقعها: تل جلول.. كما يذكر في الجدول: فرقة العامر/ الشيخ فهد بن زين!!/ موقعها أم القصير.

فرسان
أتهجى تفاصيل المجتمع، لأصل في النهاية الى قصتي التي أريد أن أكتبها، هنا في «جِلُول»، وأدون كل ما أسمع، أو أقرأ، ليكون متكأي ثري بالعمق الذي تستحقه الكتابة عن هذا المكان، وذاك الانسان، ولن أبدأ الآن في سرد الحكاية التي كانت سببا في توجهي الى جلول، حيث سيكون هناك متسع، ومساحة واسعة، لتدوين ما كان من احداث، ومفاصل خاصة بالشيخ حتمل بن مناور بن فهار الزين، ولكني سأمر على بعض الأسماء التي تذكر بالخير والأصالة في قرية جلول، وكلهم أهل مرؤة وكرامة هناك، ولكن الحديث يتعطر بسير ومواقف الأجداد المعتقين، وهنا يحضر اسم شبيب بن حيدر الزبن، وهو شيخ مهم، وفارس مغوار، وكان قد تم تنصيبه شيخا لمشايخ بني صخر أواخر الحكم العثماني. وكذلك تركي بن حيدر الزبن، الذي كان شيخا معروفا بالشجاعة والكرم، وهو من رجالات الثورة العربية الكبرى، فارس مغوار، وكان مقربا في عهد المغفور له الملك عبد الله الأول، وكذلك في عهد المغفور له الملك حسين بن طلال. أما شخيتير بن مناور الزبن، فهو فارس لا يشق له غبار، ويحضر في الذاكرة عند الاستشهاد بمثال على شجاعتة، ما كان منه حين تصدى لهجوم أمير حائل ابن رشيد على بني صخر، حيث قام بالاستيلاء على ابل أبيه مناور بن فهارن وكان تعداد المهاجمين أكثر من سبعين خيّال، حيث قام الفارس شخيتير بن مناور وحيدا بردهم، وأعاد المنهوبات. ولكن المخيلة الشعبية، تحيك حوله كثير من القصص والحكايات، وتفاصيل يمكن الاسترسال فيها، غير أنه بعد أسبوع من معركته تلك، التي استرد فيها المنهوبات، توفي، وهنا تشير الحكاية الشفوية، الشعبية، الى أسباب عديدة، منها «تأثره بالعين»، أو أنه «قتل بطريقة غريبة»!!
وفي العصر الحديث، يتذكر الوطن، وأهل جلول، معالي الفريق عكاش الزبن، الذي شغل عدة مناصب مهمة منها نائب القائد العام للقوات المسلحة، وزيرا للدفاع، والمرافق الخاص لجلالة المغفور له الملك حسين بن طلال، وسفيرا في الكويت والباكستان، ونائبا لمدير الأمن العام، وقد توفي، رحمه الله، عام 2004م.

«بواردية» وشهداء
سجل الكرامة، والتضحية، والدم، والشهادة، معتق بالطيب، في جلول، التي شارك أهلها في القتال في فلسطين، مع اخوانهم العرب الثوار، وكانوا من «البواردية»، حيث من الأسماء التي تطوعت للقتال من جلول، جرمان نايل الزبن (وقد نال وسام الشجاعة)، ومنصور تركي الزبن، وعواد نايل الزبن، وآخرون.
ومن شهداء قرية جلول يشار الى الشهيد الملازم هيكل منصور الزبن، الذي استشهد في حرب عام 1967م، والشهيد الملازم أول محمد هويمل الزبن الذي استشهد في معركة الكرامة عام 1968م، والشهيد الوكيل فواز ناصر الزبن الذي استشهد في أحداث عام 1970م.
ويوجد هناك كثير من قرية جلول في القوات المسلحة، منهم المتقاعدين، وكذلك العاملين، لهم جميعا الذكر الطيب في جميع المواقع التي هم فيها، فعليهم جميل السلام.

وثيقة
هذه وثيقة من وثائق محكمة السلط الشرعية، مهمة بدلالاتها، وتوعود الى بداية القرن الماضي، فيها أسماء، وتفاصيل عقد مجلس شرعي في قرية جلول، نورد الوثيقة كما، لتكون من ضمن صفحات مخطوط قرية جلول، وهذا نص الوثيقة:
« في يوم الثلاثاء الموافق 12/صفر سنة 1322ه (يعادل 1903ميلادي)، توجه باشكاتب محكمة شرعية قضاء السلط محمد جودة بان سيدنا ومولانا الحاكم الشرعي عمدة الأشراف العظام وقدوة الأفاضل الكرام خصماني زادة فظيلتكو عبد القادر افندي الموكلا في قضاء السلط الى قرية جلول ضمن قرى بني صخر التابعة لقضاء السلط. ولما استقر الحال عقد لديه مجلس شرعي حضر فيه كل من فهد ومفلح بن طراد بن قمعان ومفلح وفرحان وعيد ولحيوي اولاد قمعان بن ادريعي وسعود بن حمد بن قمعان اسلام عثماني من عرب بني صخر فرقة الزبن عشيرة العبد القادر المضافة لقضاء السلط سكان الخيم المقر لي بتعريف كل من حتمل بن مناور بن فهار وكريم بن الشيخ ادريبي بن نوفل من مشايخ عرب بني صخر فرقة الزبن المذكورة التعريف الشهري النافي لاسباب الجهالة شرعا وقرروا وقرو يوم تاريخه بأنهم وكلوا وأنابوا وأقاموا مقام أنفسهم وعوضا عن شخصهم الرجل البالغ العاقل الحاضر معهم بالمجلس الشيخ خميس بن الشيخ عبد القادر الشرع من مشايخ قرية الرمثا المضافة لقضاء درعا من اعمال ولاية سوريا الجليلة وكالة عامة عمومية مطلقة مفوضية لرايه بالخصوص والعموم قيامة بإجراء فراغ نصف أراضي نتل ضمن قرايا وأراضي بني صخر باعتبار اثني عشر قراط من كامل اربعة وعشرون قيراط من كامل الأراضي والخربة المذكورة من اراضي وحفر وابار وحجارة فراغا قطعيا باتا الى عبد المجيد بن عرابي بن غنيم حبنكة من أهالي الشام قيمة الربع ستة قراريط والى احمد وارشيد وخليل ومطلق اولاد محمد بن احمد الطيب من أهالي الرمثا المذكورة قيمة الربع ستة قراريط على وجه المساواة بينهما باعتبار كل شخص منهما قيراط ونصف فراغا وبيعا باتا قطعيا بثمن قدره لذلك عشرون ألف قرش صاغ مدفوعة من الخمسة اشخاص المذكورين ليد المفرغين المذكورين حسب اقرارهما واعترافهما بالقبض قبضا صحيحا وصل من المفرغ لهم الى المفرغين ووكلوه باجراء الفراغ لدي والانتقال بقضاء السلط على الوجه المسطور ووكلوه بكلما يجوز به التوكيل ذكر ام لم يذكر بخصوص الفراغ المذكور مع ما يتفرع عن ذلك».