حاوره: محمد جميل خضر - محاوراً المكان، ومقيماً مع مفرداته علاقة عضوية باقية، يواصل الشاعر والكاتب جلال برجس مشروعه الإبداعي القائم على ركيزة أساسية هي الذوبان في المطلق الطالع من رذاذ الأرض، والكامن في أصغر تفاصيل اللحظة المتحققة.
برجس المولود في مادبا، والقادم إلى آفاق الكتابة وفضائها الحر، من عالم الهندسة وخيالها الخصب، ومنذ إصداره الشعري الأول في العام 2008 «كأي غصن على شجر»، وما تلاه من شعر ومن قصص ومن نصوص، يفرد مساحة وافية للتأمل، ويحفر عميقاً في خدود الأرض، وعروق الشجر، وتعابير الوجوه القريبة والبعيدة، لينسج أمين سرّ رابطة الكتاب الأردنيين في مادبا، من كل هذا وذاك، روايته الجديدة «مقصلة الحالم». حولها، وحول تحويلها إلى فيلم بلغ التصوير فيه مراحله النهائية، وحول مسائل أخرى داخل أفياء تجربته كان لـ»الرأي» هذا الحوار مع جلال برجس صاحب ديوان «قمر بِلا مَنَازل»، ومجموعة «الزلزال» القصصية، وكتاب الحكايات المكانية «رذاذ على زجاج الذاكرة» وإصدارات ومخطوطات أخرى.

الحب كملاذ أخير
كيف ومتى تشكلت فكرة رواية «مقصلة الحالم» في مخيلتك؟
 - ما من أحد منا يستطيع أن يخمن متى يمكن للحظة الكتابة أن تأتي. إنها لحظة مفاجئة تشبه لحظة انفجار يقوض جدراناً ما، ربما قضباناً، ربما أي شكل من أشكال اعتقال الفكرة في رحم تكورها ونموها شيئاً فشيئاً، تماماً كجنين الغرام. فالفكرة حتى وهي تجيء كنطفة في البال ثم تتشكل على مهلها، تبقى أسيرة ذلك العالم السري إلى أن تجيء تلك اللحظة التي تصبح فيها جراء الكتابة، التي هي الولادة بحد ذاتها، كائناً من كلمات يكبر، ويكبر إلى أن يصير حقيقة يحتفي بها القارىء. حينها لا يصبح العمل لمؤلفه إنما يصير ملكاً لقارئه الذي يصنع روايته الخاصة بمحاذاة نمو أغصان ما، بين يديه وهو يرتكب فعل القراءة. إنه فعل كتابة أخرى يقوم بها المتلقي بموازاة فعل الروائي وهو يقدم له ما أراد قوله. أما كيف تشكلت فكرة كتابة «مقصلة الحالم» فهي الهاجس منذ بدأت أعي أن الحياة باتت رغم مسميات الحرية العديدة، سجناً كبيراً. ثمة يد خلطت اللوحة، ألا وهي الحياة، فأخذت التفاصيل صفة التيه. حروب، دماء، دول تسقط، دول تولد، شوارع عريضة تقسّم العالم إلى أقسام وفق فكرة واحدة تعيد خلط الأوراق لصالحها. لذلك سقطت كل الجبهات وتبقت جبهة الحب. ربما يغدو هذا الشيء ضرباً من ضروب اليوتوبيا. لكنني أحلم، وسأبقى أحلم بصباح تتنفس فيه الأرض بكل هوادة.
 تشير في روايتك إلى أن الحياة سجن كبير. كيف تمردت على ذلك السجن؟
 بالتأكيد هذا ما كنت أردده. فهي الثيمة التي استلهمتها الرواية خلال بنية الحكاية التي حدثت للسارد. إن الإحساس أن الحياة صارت سجناً كبيراً ما هو إلا السعي الأبدي للحرية. السعي الأبدي لترميم وجه العالم الذي شوهته قذائف استهدفت الحالمين. تلك القذائف التي لم يصمد بوجهها سوى الحب. لذلك عبر روايتي جاء الحب متمرداً وهو يحمل سلاحه بوجه مدافع الزمن الجديد. سلاحه الجريء الذي يعلي راية الانسانية ويسقط رايات العدم. هو الحلم فضاءات شاسعة وحرية لا تخضع لتعريف.

مفردات لحظة الكتابة
 علمنا أنك كتبت عدداً من فصول الرواية في جبل نيبو إثر عزلة هناك. هل كانت عزلة لأجل الكتابة؟
- لقد كانت عزلة بالتصادف يمكنك القول إنها عزلة لأجل الحب. إذ كان الفصل شتاء حيث كنت أدور حول نفسي في غرفتي المطلة على شارع خلا من رواده بسبب برودة الطقس. وكانت الشمس قد غفت في مخدعها. ثمة إحساس بالانقباض كان يلوذ بي. ثمة حالة من عدم القدرة على الارتهان لجلسة هادئة أمام الموقدة ومتابعة التلفاز على سبيل الكسل. ثمة شئ كان ينقصني. وطن يرفع راياتي قدام البروق. حبيبة تسند قلبي بيد قلبها. ثمة شيء كان ينقصني والعالم سجن كبير. فصفقت باب البيت ورائي مستقلاً سياراتي التي أخذتني عبر طرقات متعرجة إلى جبل «نيبو» هناك بدا الغور والعتمة تهجم منه كخطوط باطن الكف في غرفة معتمة. وبدت فلسطين من وراء الجبال كحاجب فوق عين تطل على البعيد. لم يكن في الجبل إلاي والرياح التي بدت تستشيط شيئاً فشيئاً وهي تسحب وراءها مطراً غزيراً كان قد هطل فجأة . بقيتُ لدقائق احتفي بهطول أحسه يسح في عوالم داخلي وما ارتويت. حينها ازداد هطل المطر وما صار لي أن استخدم سيارتي التي بدت عجلاتها غارسة في الوحل. ثمة حقيبة وأغراض حملتها على عجالة ويممت صوب كهف في بطن الجبل رحت أؤثثه بحفرة نار بعد أن أفرغته من العوائق. اعتقدت أني سأمكث لوقت قصير ريثما تتراجع العاصفة قليلاً إلى ماوراء الجبل. لكن الطبيعة كانت توغل في جنونها كلما مضى عقرب الساعة إلى الأمام حينها أيقنت أني ضيف ذلك الملاذ الصخري الذي شهد في تلك الليلة موسيقى تطل من مسجلة صغيرة تعمل بأحجار البطاريات. رائحة الميرمية وهي تضج من إبريق الشاي إلى جانب دخان سيجارتي الذي كان يتقاطع بدخان أعواد الحطب التي جمعتها من أغصان أشجار الجبل الناشفة ثمة أحاسيس تتقاطع، إذاً، ببعضها. مكوث في كهف، مطرٌ غزير ورعود وبروق في ليل بارد وحالك، مواجهة نفسي كأن مرآة منحتني فرصة أن أراني. ما تقدم وغيره فجّر لحظة الكتابة.
يبدو أن المكان في «مقصلة الحالم» بطل من أبطال الرواية. هل استفدت من تجربتك في الكتابة عن المكان؟
- تماماً فالمكان أحد أبطال «مقصلة الحالم»، إنه الحاضنة الشاسعة التي باتت تنافس اللغة كحاضنة مهمة في كثير من الأعمال. فكتابتي عن المكان عبر كتابين سابقين. منحاني فرصة الحوار مع المكان بصورة تصلح للرواية كما أردت. المكان في كل تجلياته في تلك الليلة كان شريكاً مهماً في عملية الكتابة لذلك كان من الطبيعي أن يبرز في النص الروائي كبطل من أبطال الرواية.
في كتابيك السابقين «رذاذ على زجاج الذاكرة» و»شبابيك تحرس القدس» تقاطَع الشعر بتقنيات حكايات الأمكنة. إلى أي حد تقاطع الشعر بعالم روايتك الجديدة؟
- الشعر في «مقصلة الحالم» هو الرؤية، وأداة لاجتراح الأمل. بالتأكيد كوني قادماً من الشعر إلى الرواية فلا بد من انحياز ما للشعر، لكنه ليس الانحياز الذي يجعل الشعر يطغى على حق الرواية أن تقول تفاصيلها عبر تقنياتها المعهودة. يمكنني القول إنني اشتغلت بكثافة لإحداث توازن ما بين الشعر والرواية.

الرواية بوعي سينمائي ومسرحي
فكرة غير مسبوقة أن تضع القارئ في ظروف كتابة الرواية. اقصد الفيلم الذي يعاين مكان كتابة مقصلة الحالم. هل هي محاولة في أن يكتب القارىء روايته الخاصة؟
- مما لاشك فيه أنني عمدت عبر امتداد الرواية إلى أن أترك للقارئ فرصة أن يكتب روايته. لأنني أومن أن الأدب الذي لا يحترم مخيلة القارىء أدب قاصر. لذلك عندما طُرِحَتْ عليّ فكرة الفيلم الذي يقوم بإخراجه معتز أبو الغنم، راقت الفكرة لي منذ البداية. إذ أن الرواية كتبت في «جبل نيبو» ذلك المكان الذي يحمل دلالات تاريخية وجمالية عديدة. إضافة إلى ارتباطي الوثيق به وهو لا يبتعد عن مكان سكناي سوى ربع ساعة من المسير في السيارة. عندما ذهبت في تلك الليلة للجبل لم أكن أدري أنني سأكتب هناك فصلين من رواية ستدعى فيما بعد «مقصلة الحالم». ولم أكن أدري أن السارد وهو بطل الرواية سيكون بمعيتي بكل ذلك الحضور قرب حفرة النار التي كانت تبدد عتمة الكهف، ووحشة الشتاء الليلية. إضافة إلى اللوعة التي كان يمنحها عواء ذئب يأتي من رأس الجبل. لذلك جاء الفيلم ليسجل تلك اللحظات التي سبقت لحظة البدء في كتابة الرواية منذ تلك الخطوات. إنها محاولة للمسير جنباً إلى جنب مع القارىء وبطل الرواية. الفيلم سيستهل حفل توقيع يقام بعد صدور الرواية قريباً، إلى جانب مسرحة جزء من الرواية أداءً على الخشبة.