عبدالهادي راجي المجالي

تحدث صديقي العربي في الحلقة الماضية عن مسألة الفجوة في الدول, واسهب مطولا في شرحها حاولت في هذه الحلقة أن أجره لشأن محلي...فاختار أن يتحدث عن الربيع العربي وكيف تجاوزناه.
يقول صديقي العربي في هذا الإطار :- الحكومات الأردنية غريبة جدا فهي مركزية تارة وتارة أخرى مرتبطة بكتاب التكليف وفي بعض الأحيان لها أولويات...وفي احايين أخرى تسود وتطغى شخصية الرئيس على جميع أفرادها , ويتبدل خطابها ويتغير...
يكمل صديقي العربي :- لا يوجد خطاب واضح للحكومات في الأردن..والملك اتخذ قرارا مهما قبل بدء الربيع العربي لم يلمسه أحد ولم يدركه أبدا وهو الفصل ما بين الأمني والحكومي - ولا أقول السياسي لأن عمل الحكومات في الأردن ليس سياسيا فقط - بمعنى أنه حرر الحكومات من تبعية الأمن أو من التدخل الأمني...وتلك المرة الأولى في تاريخ الدولة التي يحدث هذا الفصل..وأنا اسمي هذا الأمر (ثورة بيضاء حقيقية) وربما ما يفعله الملك الان من إعطاء مجلس النواب شرعية تشكيل الحكومة هو مجرد تثبيت لهذا الفصل وحماية له...لا بل تعدى الأمر ذلك لأن فصل أيضا ما بين مؤسسة الديوان والحكومة وحرر هذا الجسم من تلك السيطرة...
ولكن إدارة الحكومات في الأردن ما زالت تسير بطريقة كلاسيكية متعبة...كأنها لا تريد هذا الفصل وكأنها غير مقتنعة به...
يكمل صديقي العربي...الذي حدث في الأردن أمر مهم جدا , وهو تغيير في الدستور وتغيير في الأعراف والملك في تفكيره وتأمله يدرك في لحظة أن العرف أقوى من الدستور في بعض المرات ومع أنه صاحب الولاية الدستورية في تسمية شخص رئيس الوزراء الا أنه ابتكر عرفا جديدا في السياسة أقوى من النص الدستوري نفسه..وتمثل في إعطاء مجلس النواب ولاية تشكيل الحكومة..سؤالي المحدد لماذا لم يلتقط الإعلام الأردني هذه اللحظة التاريخية ويرد على الإخوان المسلمين الذين طالبوا بتحديد صلاحيات الملك؟...أنا لا أعرف هل اصلا هل التقط الإعلام هذه اللحظة أم لا؟
هذا السلوك السياسي له هدف أول مرتبط بإرسال رسالة إلى القوى الداخلية التي تنادي بتحديد صلاحيات الملك؟...وله رسالة خارجية أيضا تتمثل في أن النظام السياسي الأردني هو حكم بين السلطات وهو في النهاية يريد أن يتحلل من المطلق..وكما هو معروف فالدساتير نصوص مطلقة ولكن تقلبات السياسة وتغيرات الإقليم تفرض عليك أحيانا أن نغير في الإستراتيجيات وتقلب الثوابت لمتغيرات...
ثم يكمل صديقي العربي :- إن أخطر ما جرى في الأردن عبر تاريخه السياسي هو الإنقلاب الأبيض الذي مارسه الملك على النص المطلق المتمثل بالدستور ...وسؤالي المحدد لو خاضت جبهة العمل الإسلامي الانتخابات النيابية ووصلت إلى المجلس بكتلة كبيرة العدد واستثمرت في العرف الملكي القاضي بأن يشكل مجلس النواب الحكومة...هذا بالطبع سيعطيها ثقلا وقوة في تحديد شكل المرحلة وفي شراكتها للقرار ولكنها أحجمت عن المشاركة..وهذا وضعها في خانة الحركة الجامدة..أو لنقل في خانة السذاجة السياسية...
النظام السياسي في الأردن ذكي جدا لقد نزع المبررات من هذه الحركة أمام العالم كله واستطاع أن يوقف ما يسمى بالمد الإخواني في الأردن.. والان لا يستطيع أي منتقد للحالة الأردنية أن يتهم الحكومة أو حتى الجهاز الأمني أو حتى مؤسسة القصر بمعاداة هذا التيار أو محاباة ذلك..هل كان الأمر مخططا...أنا شخصيا – والحديث لصديقي العربي – لا أعرف ذلك ولكن ثمة إشارات صدرت من القصر سبقت الجميع متمثلة في نقل المؤسسة الأمنية من حالة الصدام إلى الإحتواء وفتح السقوف جميعها وإعطاء الإخوان مساحات هائلة في التعبير...كل هذا كان يقصده النظام ولم يكن عبثيا , ولكنه في النهاية تبين أنه يمسك خيوط اللعبة بذكاء..,لنعترف أنه أذكى من تعاطى مع حالة الربيع العربي.
نعود إلى الحكومات – والحديث لصديقي العربي – لم تفهم الحكومات الأردنية ماذا يريد النظام هي نظرت للتعديلات الدستورية على أنها مرتبطة بالدستور ولم تلتقط سلوك النظام السياسي في القفز إلى الأعراف الدستورية أيضا...هي حاولت جر الإخوان إلى حالة من الصدام وكان العرش يكبح جماحها ويعطي للإخوان مساحات أوسع لدرجة أن البعض في لحظة من اللحظات وبالتحديد بعد مسيرة الزحف المقدس ظن أن العرش خائف من المد الإخواني...
هذا يدل أن الحكومات في الأردن تتعاطى مع الحالة في إطار انتظار الأمر علما بأن الحكم يريدها صاحبة قرار حر...
النظام السياسي في الأردن غيّر في أنماط الحكم وطورها وغير في ذهنية التفكير والتعاطي مع المكونات الأساسية للمجتمع..ولكن للأسف الإعلام الرسمي لم يلتقط الحالة وحتى الحكومات هي الأخرى لم تلتقط اللحظة...
أكثر من كان يفهم الملك في مرحلة اتقاد الربيع العربي هي المؤسسة العسكرية , فقد ظلت بعيدة عن الأحداث لها رتمها ونغمها المستقل وطرق تفكيرها...الدولة العربية الوحيدة التي لم يشاهد فيها جندي على أرصفة العاصمة أثناء مسيرة ما هي الأردن فالجيش نزل لكل ميادين العواصم الملتهبة وتورط بالدم...الوحيد الذي لم يتورط هو الجيش الأردني.
لقد تشعبت قليلا في الحديث ولكني سألخصه لك الان في نقاط علك تلتقطه...ما حدث خلال العامين الماضيين هو الآتي :-
أولا :- الدستور نص مطلق...قام النظام بتطويره وبذكاء سياسي قفز إلى الأعراف الدستورية وغير فيها..وأقنع العالم وأقنع الناس محليا...وبالتالي قلب الحالة الأردنية من ساحة متأثرة بالربيع العربي إلى دولة أعطاها الربيع العربي دفعة للتقدم.
ثانيا :- فصل بين ما هو أمني وسياسي وتلك المرة الأولى في تاريخ الأردن التي يصبح فيها ملف الإخوان المسلمين ملفا سياسيا بإمتياز.
ثالثا :- الحياة السياسية تطورت، التشريع.... أيضا تطور بقية الحلقة الأخيرة في شكل إدارة الدولة المتمثل بالحكومات فهي بحاجة إلى تطوير في الشخوص وشكل تعيينها.
رابعا :- النظام السياسي اصبح في الفقه الدستوري يطبق مقولة الحكم الذي يحسم الخلاف وتخلى عن مسألة أن يكون حاكما ورئيسا للسلطات...وتلك مسألة مهمة ودقيقة.
خامسا :- الأردن خرج من أزمة الربيع العربي ليس بقرار غربي أو عبر وصاية أممية ولكن بمرونة سياسية جعلت الغرب يقتنع بأن الأردن فيه حكم تقدمي ليبرالي منفتح..
سادسا :- لا يوجد خلاف بين أن يكون العرش عروبياً وهاشمياً وصاحب رسالة وبين أن يكون مرنا تقدميا ليبراليا...متطورا تبعا لمتطلبات الدولة والناس.
أنتهى حديثنا ووعدني صديقي العربي أن نكمله في ذات الإطار وعدني أيضا أن ندخل بصلب عمل الحكومات وأن نعطيه جانبا من التحليل والتشخيص بشكل معمق أكثر.

الثلاثاء 2013-02-19