حسين نشوان

كما لم يعد في القرن الحادي والعشرين من يستطيع أن يدّعي وحده امتلاك الحقيقة، فإن من الخطأ النظر إلى الأشياء من زاوية واحدة.

وفي ظل ثورة المعلومات والاتصالات والعولمة لم يعد من المجدي النظر إلى الأشياء بآراء مسبقة، فالحياة لا تقف بين اللونين الأبيض والأسود، ولا تتمركز حول ما نظن أنه نهائي أو مطلق، بل تنطوي على عشرات ومئات الألوان والاحتمالات والخيارات التي تتيح الكثير من الأفكار.. والحياة مليئة بتدرجات الألوان التي ينتج عن حاصل جمعها ومزجها خيارات تفوق عدد الأفلاك والمجرات، غير أن كثيراً من الناس قد تجمدت خُطاهم عند قناعة أن ما يدور في رؤوسهم هو الحقيقة التي لا يأتيها الباطل.

خطورة مسألة «اليقينيات» ليست في ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة والرأي النهائي فحسب، بل في عدم القناعة عند كثير من الناس بسماع الرأي الآخر، ولو بصم الآذان وإغماض الأبصار وضرب قشرة صلبة على البصائر. وعندما يتحول الأمر إلى سلوك جمعي، فإن الوصف لا يتوقف عند حدود المناكفة، بل يهبط إلى مستوى التمزق الاجتماعي والتآكل الذاتي والجنون الذي يغيب فيه المنطق وتضيع فيه الحقيقة ويصاب العقل بالشلل والجمود، وبالتالي تختل المعايير والقيم والتقاليد، ويغدو كل فرد في المجتمع غريباً ومستغرباً.

هذه الأحوال ربما تشبه مع الأجواء التي وصفها المفكر الفرنسي ميشيل فوكو في كتابه الموسوعي «تاريخ الجنون» الذي تناول فيه حقبة من تاريخ أوروبا «الظلامية» التي غابت فيها المعيارية الاجتماعية إذ سيطرت لحظة الجنون في شرايين الحياة وتحكمت في قوانينها وقنواتها.

في كتاب فوكو يقرأ المفكر ظاهرة الجنون معرفياً وثقافياً، ويخلص إلى أن الحالة تتساوى في النتيجة بين لحظات غياب العقل وزفرات الموت المجاني ومشاهد الخراب العبثي وتجليات الفوضى، حيث ينتشر داء أكثر خطورة من الطاعون ليفتك بالمجتمع، هو داء «الجنون».

في نظرة شمولية على المشهد المتخبط بالوطن العربي، يصبح الخوف من القادم مجهول المعالم مشروعاً، فالانفلات عنوان للمجاميع الخارجة للتو من نير الاستبداد، وما يصدر عن هذه المجاميع من «أدبيات» تحاكي إلى حد كبير ما جاء في كتاب «تاريخ الجنون»، يدفع وبقوة للتساؤل عن سبب ما يجري في الوطن العربي من موت ودمار، وحصد مجاني للأرواح، وهذا يفضي للبحث عن تفسير منطقي للوقائع وظلالها، وأسبابها ونتائجها ومآلاتها في ظلال جبال من معلومات متسارعة توازي سرعة وجبروت «ماكناتها» العصرية.

ولعل السؤال الذي ينطرح هنا وبشكل مباشر، نجده يبحث عن إجابة تخبرنا عن ماهية ملامح المستقبل الذي ستفضي إليه التحولات، بمعنى؛ ما العنوان الرئيس الذي يسم المرحلة المقبلة؟ وهل يستطيع أيٌّ من المتابعين التنبؤ بالنتائج التي تتمخض عن المرحلة، والمحطة التي ستحط بها العربة؟ هل هي إعادة تدوير لـ «الأيديولوجيات الشمولية»، أم هي مرحلة الحرية والتحرر؟ وما عنوان المشروع القادم ومفرداته وقيمه وشعاراته وقواه وروافعه وامتداداته؟

في مطلع الأربعينيات والخمسينيات بُعيد تغير مصالح القوى الغربية وأفول الاستعمارات عن البلاد العربية، برز حكم العسكر الذي دمر القوى الاجتماعية لمصلحة «الفئة»، وأنتج حكماً استبدادياً ونمطاً اقتصادياً ريعياً، هو أقرب لنظام «الرشاوى»، يضع كل القوى والفئات ومنها المثقفون، ضمن دائرة الاحتواء.

وكان من نتيجة الإفقار الفكري الذي مارسته الأنظمة الاستبدادية والتدمير الممنهج للقوى الاجتماعية والفكرية، غياب الفئات المؤثرة ثقافياً واقتصادياً واجتماعياً، ومنها الطبقة الوسطى التي تآكلت بفعل الفساد والمحسوبية، وضعف قطاعات الزراعة والصناعة لمصلحة «الخدمات»، وضعف دور النخب النوعية التي فقدت وظيفتها نتيجة مزاحمة «رموز النظام»، وبرزت شرائح وقطاعات تعاني من حصارات ضيّقت أمامها الخيارات التي أودت بها للإنهاك والعجز والعدم والعدمية التي تساوت فيها رسالة الموت والحياة، والمشكلة أنها عمّمت تلك القناعة على العقل الكلي للمجتمع.

ربما أن هذه الحالة هي الوصف الأوضح للحالة الراهنة على امتداد البلاد العربية.

لسنا هنا بصدد القفز إلى النتائج أو توجيه الإدانة أو الاصطفاف، لكن المتابع لا يستطيع أن ينقل خطاه على مجرى الدم دون أن يرتعش ويصاب بالخوف والفزع، ومن الخطأ وهو يرى ويسمع ألاّ ينحاز للضحايا ونزيف الدم، ومن اللاأخلاقي ألا يقف ضد الخراب الممنهج والعفوي والتدمير بحسن النوايا، و «نصف جهنم من أصحاب النوايا الحسنة».

في المشهد العربي على كثير اتساعه وعميق تاريخه، تأخذ وسائل التغيير التي تدور في غير بلد ومنذ بزوغ شعاع «الربيع العربي»، وفي مراحل سابقة –مطلع الخمسينيات- تتشابه معها في الشرط والإطار.. تأخذ طابع القوة والعنف الدموي والتصفيات الثأرية التي تقوم لا على نفي الآخر ومصادرة رأيه وتهميشه فحسب، بل إبادته ومحوه أيضاً، على حسبة: «مَن ليس معنا فهو ضدنا»، وهو ما يشير إلى مشكلة تتصل بطبيعة فهم واجب «الدولة/ السلطة/ العلاقة مع المجتمع» التي من المفترض أن تنحصر مهامها في الموازنة بين القوى الاجتماعية على قاعدة تنوعها واختلافها، وليس بفرض ثوب على المجتمع بما يتناسب مع مقاسها. ليست الدولة هي الحزب، بل هي مرآة للجميع.

في المشهد الذي يملأ شاشات القنوات الفضائية لصور «الربيع العربي»، يقترب الأمر من صور تمثل «جنون الانتحار»، لأطراف الصراع، ويقترب من «نمذجة العنف» وتسيد القوة العمياء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وهو ما يشير إلى أن العقل والوجدان العربيين تعرّضا تاريخياً لحالة من التخريب المؤسسي الذي أفقدهما حالة التوازن.

في المشهد الراهن نلحظ أننا كمجتمعات عربية لم نستثمر حصاد العلم والمعرفة والثقافة في حل أزماتنا عن طريق الحوار والإصغاء لصوت العقل، بل تجدنا وفي لحظة جنون نعود لغضبتنا «المضرية» ونحتكم  لدوي المدافع وقعقعة السلاح، و»الثأريات» بوسائل عصرية لنحصد في النهاية الخراب والدمار والموت بلا معنى أو هدف.

هذا الكلام ليس تبسيطاً لما يجري في سوريا، وفي مصر، وفي العراق، وما كان جرى في تونس، وفي اليمن، وفي ليبيا.. وما يتواصل حتى الآن من ارتدادات في كل الجهات، بل هو محاولة معرفية تتوخى «السؤال» وسبب غياب العقل عند المعارضة والسلطة على السواء، لتجنب الوصول إلى كارثة كهذه تقارب «جنون الانتحار».

المشكلة ليست في ظاهرة التغيير والتحولات التي تعدّ واحدة من مفردات السلوك الطبيعي للمجتمعات والأفراد، وليست في وجود الصراع الذي يمثل ظاهرة طبيعية أيضاً، بل في إعادة تدوير النموذج الأحادي الشمولي (وسيلةً وهدفاً) بشرعية «الحاكمية»، والاعتقاد أن من يمتلك «السلطة» يحقق انتصاراً على الآخر الافتراضي أو الواقعي..

والمشكلة أن «الشمولية» والآراء المسبقة وتسلط الأيديولوجيا، وادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، وهيمنة ثقافة الموت وتغييب الحوار، ما تزال -من قبل ومن بعد- تسيطر على العقل العربي الذي لا يترك مساحات لسماع شيء أو رؤية ظله.

في المشهد الذي يملأ «الفضاء» تتحول الحداثة إلى خنادق وساحات حرب، والأدوات «المدينية» والوسائل الديمقراطية إلى سُبل قتل، ويتحول الموت إلى «نموذج»، ويتم اغتيال الشخصية واغتيال الماضي والتاريخ واللغة والمعنى، ويتم إعادة إنتاج الجهل منهجياً بإغلاق نافذة الحرية التي تحول الشعب إلى قطيع.

الذي يجري وفق قراءة المنطق والعقل والمشاهدات والوقائع، هو انتحار أو نحر في مسابقة قبل النزع الأخير الذي وصلت فيه الأمور إلى الجدار ومرحلة اللاعودة، التي بات فيها المجتمع يقف على جناح خندقين متصارعين في وقت تعطّلَ فيه العقل، ولم يعد يسمح الزمن فيه بفرصة تعدد الخيارات، ولم يبق سوى الموت أو الجنون.

hunaa11@gmail.com   

 

cultureM@alrai.com