هزاع البراري - لم تكن حياته سهلة في يوم من الأيام، لكنه تسلح بالإصرار، وواجهة المصاعب والعقبات بعزيمة قوية، مكنته من تحقيق جزء كبير من أحلامه، في حين كرس المساحة الأكبر من حياته من أجل العمل التطوعي والاجتماعي، من أجل مساعدة الناس، ودفع كثير من الشباب للمضي قدماً في تحقيق أحلامهم، مهما كانت الطريق طويلة والمعيقات متلاحقة، فقد تعلم من مراحل حياته المختلفة، كيف يعتمد على نفسه، وأن لا يستسلم للواقع ما أمكنه ذلك سبيلاً، لذا كانت بشخصيته وثقافته وحبه للعمل المخلص، حالة فريدة تستحق التقدير، فلقد كان تربوياً ناجحاً في زمن كانت البلاد بحاجة ماسة لمدرسين مؤهلين، وكان أديباً صاحب قلم مؤثر، رغم زهده بالنشر والإعلام، كما كان توجهه للعمل في الجمعيات الخيرية ترجمة عملية لأفكاره، ونهجه في الحياة الشخصية وفي الوظيفة.

كامل حامد ملكاوي ابن قرية « كفرسوم « الواقعة شمال غرب مدينة اربد، وهي بلدة من أجمل بلدات الأردن في مختلف الفصول، وقد ولد فيها عام 1927، أي بعد تأسيس إمارة شرق الأردن بست سنوات، لذا فقد كابد في طفولته المرحلة الصعبة، التي مرّ بها الناس منذ أواخر الحقبة العثمانية، حيث شكل تأسيس الدولة الأردنية الحديثة انطلاقة جديدة للبناء والتنمية في الأردن، ولا شك أن كامل ملكاوي وأمثاله، قد ساهموا في رحلة البناء بما يستطيع. التحق كامل ملكاوي بمدرسة البلدة، وقد تعلق بالدراسة وأحب العلم منذ خطواته الأولى، وقد ارتحل مع عائلته إلى بلدة « سحم « حيث واصل دراسته في مدرستها، ولم تكن تتوفر في تلك البلدات مدارس كبيرة في تلك الفترة، لذا درس حتى الصف الثالث الابتدائي، وهو أعلى صف في مدرسة البلدة.
 تطلب قراره بإكمال دراسته، أن يترك بلدته ويذهب إلى بلدة الحصن للدراسة في مدرستها، وهناك تمكن من الدراسة حتى الصف الخامس الابتدائي، وقد حاول والده في تلك المرحلة، إقناعه التوقف عن الدراسة والاكتفاء بما حصله، والعمل في مجال التجارة، الذي يوفر له فرصة تحصل المال في هذه السن المبكرة، غير أن حب كامل ملكاوي للعلم والمعرفة كان كبيراً، وهو ما جعله يناضل من أجل مواجهة رأي والده، إقناعه بالسماح له بمواصلة دراسته. وقد تمكن من أخذ موافقة والده، بذلك ترك كامل ملكاوي مدن الشمال، ووصل إلى العاصمة عمان، وكانت المقاعد الدراسية في المدارس محدودة، ولم يكن بالإمكان قبوله مع زميليه، مما اضطرهم إلى مخاطبة سمو الأمير عبد الله المؤسس، من أجل السماح لهم بالالتحاق بالمدرسة، فأصدر الأمير قراره بقبولهم، ونظراً لضعف الإمكانيات، قام هو زميليه بشراء مقاعد الدراسة على حسابهم الخاص، مما يكشف الإصرار على تلقي العلم وإكمال الدراسة.
وكان لتجربة الإقامة في عمان أثرها الخاص في حياته، ومكنته من تكريس اعتماده على نفسه، وتعميق انتمائه وحبه للأردن. عاد بعد عام إلى مدينة أربد حيث درس الصف السابع في مدارسها، ولكن لم يكن لحياته أن تستمر على سجيتها، فلقد أصيب في بداية حياته بمرض السل، وقد اضطر ذلك أهله لإرساله إلى مدينة طبرية القريبة من الشمال الأردني، من أجل تلقي العلاج، وقد احتاج علاجه إلى فترة طويلة، مما اضطره للتخلف عن المدرسة مدة عام كامل. وبعد عودته من رحل العلاج وقد شفي من هذا المرض الصعب، قرر الاستمرار في رحلة التحدي، حيث أصر على مواصلة الدراسة وتعويض ما فاته.
لذا عاد للإقامة في مدينة اربد ملتحقاً بمدرستها الثانوية، حيث درس فيها حتى أكمل المرحلة الثانوية، وقد نال الثانوية العامة بتفوق، وكان بإمكانه نيل وظيفة حكومية جيدة بشهادته هذه، وكان بإمكانه أن يصبح معلماً في مدرسة قريبة، لكنه فضل مواصلة مشواره في تلقي العلم، فودع أهله مسافراً إلى الجمهورية اللبنانية، حيث التحق هناك بالجامعة الوطنية في منطقة عاليه، وبدأ بدراسة الأدب العربي، وقد أتاحت له الجامعة التتلمذ على يد الأديب اللبناني المعروف مارون عبّود، الذي وجد في كامل ملكاوي موهبة أدبية مبشرة، فأخذ يشجعه على كتابة القصة القصيرة، وكان عبّود يعقد حلقات نقاشية طويلة مع الطلبة لمناقشة أسلوبه في كتابة القصة، وهذا ما جعل منه طالباً مميزاً، وصاحب شعبية كبيرة داخل الجامعة.
تسلم كامل ملكاوي مسؤولية مجلة الجامعة، وأنتخب أيضاً أمين سر جمعية الخطابة العربية في الجامعة، مما يؤشر على براعته الأدبية، ومقدرته الخطابية، بالإضافة للمحبة والشعبية الكبيرة التي تمتع بها، وكان يسير باتجاه الدراسة الأكاديمية والكتابة الأدبية وبخطوات واثقة، غير أن الحياة كانت تخبئ له مفاجأة مؤثرة، فقد حالت الظروف المختلفة بينه وبين إكمال دراسته الجامعية، التي كان يعول عليها الكثير، وقد تزوج باكراً كعادة أبناء القرى خاصة في شمالي الأردن، ورزق بولد وهو ما يزال طالباً في الجامعة، وهي كلها عوامل منعته من إكمال دراسته، فعاد إلى الأردن، ليبدأ مشواره في العمل.
تم تعيين كامل ملكاوي مدرساً في مدرسة الرمثا عام 1946، وسرعان ما تميز في عمله، وكان مدرساً لامعاً أحب طلبته، وحظي بحبهم واحترام ذويهم، وبعد عمله في التدريس عدة سنوات، تمت ترقيته حتى أصبح مديراً لمدرسة بلدة « الطرة « بعدها نقل مديراً لمدرسة كفرسوم، ومن ثم أصبح مديراً لمدرسة الصريح، ووصل به المطاف في الإدارة المدرسية إلى مدرسة دير أبي سعيد، حتى عاد إلى إدارة مدرسة كفرسوم من جديد، بعد ذلك عمل مديراً في إحدى مدارس مدينة اربد، وكان من المدراء الأكفاء، الذين تركوا بصمتهم المميزة على أكثر من جيل من طلبة المدارس الأردنية، وكان مجدداً وصاحب مبادرات تربوية واجتماعية عديدة، وعرف بقربه من الطلبة والناس.
انتقل كامل ملكاوي للعمل مكتب مديرية التربية والتعليم في اربد، حيث أصبح رئيساً لقسم الشؤون الإدارية، وبقي عاملاً بنشاط وأمانة حتى أحيل على التقاعد عام 1972، ولم يكن التقاعد نهاية المطاف بالنسبة له، بل كان بداية لحياة جديدة ملؤها العمل والإنتاج، حيث توجه للعمل التطوعي والخيري، فعمل مع الجمعيات الخيرية، ونظراً لنشاطه وفعاليته الملحوظة في هذا المجال، حظي بثقة وتقدير الجميع، وقد أصبح بفضل تفانيه وجهوده رئيساً لاتحاد الجمعيات الخيرية في اربد، كما اختير أميناً لسر اتحاد الجمعيات الخيرية على مستوى المملكة، واستمر في هذا المنصب حتى عام 1985م.
لم يتخل كامل ملكاوي عن قلمه وأدبه، فكتب القصة والرواية والمقالة، غير أنه ولظروف الحياة والعمل، كان مقلاً في نتاجه الأدبي، لكنه مع ذلك نشر كتاباً في القصة بعنوان « عبر القدر « عن مطابع الشركة الصناعية عام 1959، وقد ترك كتابات مخطوطه من بينها رواية بعنوان « طريق اللقاء «، كما كان له نشاط أدبي مع الإذاعة الأردنية، فقد كتب عدداً من الكلمات والمشاركات الصباحية، والتي تقدم الفكرة الجديدة والحكمة المفيدة بلغة أدبية رشيقة.
نال كامل ملكاوي خلال مسيرته الحياتية والعملية، تقدير وتكريم مؤسسات مختلفة وعلى غير صعيد، فقد نال وسام الاستقلال، ووسام التربية والتعليم، كما نال درع اتحاد الجمعيات الخيرية الأردنية، بالإضافة إلى حصوله على عدد كبير من شهادات التقدير من عدد من المؤسسات الرسمية والأهلية، وبقي عاملاً بهمة ونشاط، مقدماً خدمة الناس على مصالحه الشخصية، ولم يتخل عن نهجه حتى وفاته في مدينة اربد في الثالث عشر من شهر أيلول عام 1993.

hbarari54@hotmail.com