ابراهيم العجلوني

مهما يكن الامر في نشأة الجماعة الاحمدية التي قامت في الهند اواخر القرن التاسع عشر, ومهما يكن رأينا في ميرزا غلام احمد صاحب دعواها فإن من الملاحظ أن حوار نفر من اتباعها مع عدد من القساوسة حول التوراة والانجيل قد اثبت تهافت اللاهوت الكنسي وتجافيه عن المنطق والعلم وبقائه رهين العصور الوسطى.
ومن الواضح أن للاحمدية جانبين في كلامياتهم, الاول هو الحجاج عن عقائدهم في المهدي المنتظر والمسيح الموعود, وذلك ما نملك ان نقف ازاءه ملياً وان نجاذبهم فيه ألوانا من المحاورات. والثاني هو النظر في العقائد اليهودية والمسيحية من خلال اسفار العهدين القديم والجديد مما يطلق عليه مجتمعاً «الكتاب المقدس».
وفي الحق ان لمحاوري الجماعة الاحمدية تميّزاً واضحاً على من يقابلهم من الاباء, وأن لهم عليهم درجة في سعة المعارف وفي قوة المنطق. ومن يتابع القناة الاحمدية الفضائية يلمس – الى جانب قوة المعارضة – سماحة روحية واريحية اخلاقية في مجادلة «المختلف» ديناً.
ولعل مما تفردت به هذه القناة هو توفر محاوريها على ردود مفحمة على الاب زكريا بطرس. ولا سيما فيما يتعلق باللغة في القرآن الكريم وهي ردود تذكرنا بكتاب الدكتور كامل جميل ولويل: «حوار بين الحق والباطل» الذي فنّد فيه اقوال زكريا بطرس في لغة القرآن وفيما تناوله من آياته. وبيّن بالغ ضعفه العلمي في ذلك ومدى تخبّطه في الفهم والاستدلال.
ويقتضي المقام هنا أن نشير الى ما مكتبه الاستاذ عباس محمود العقاد في كتابه «الاسلام في القرن العشرين» عن القاديانية التي تعتبر الجماعة الاحمدية امتداداً لها, والى ما كتبه احسان الهي ظهير في كتابه: «القاديانية», وأن نقول في الوقت نفسه إن «العرب» من اتباع هذه الجماعة يمضون بها اليوم في مسار ذي طابع كلامي حبذا لو ينتهي الى غاياته من المنطق السديد والنظر المحقق ومن قراءة الذات ونقدها في آن..
إن نجاح التجربة الاحمدية في «الحوار المباشر» مع المختلف ديناً يوجه الانظار الى ضرورة تبني «الحوار» اسلوباً في فهم المختلفين وتفهم البنى العقلية والشعورية التي عنها يصدرون. والفهم والتفهم هما المدخل الى تعارف الامم والحضارات استجابة لقوله تعالى في محكم كتابه العزيز (الذي لا ريب فيه): «يا ايها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن اكرمكم عند الله اتقاكم».
إن  للعرب اليوم فضائيات كثيرة معظمها انموذجات للسخف وضيق الافق وتملق الغرائز وسائر ضروب الجهالة والفساد. ولكننا لا نعدم, وعلى تباعد وندرة, برامج حوارية مفيدة مثل برنامج «الحوار المباشر» للفضائية الاحمدية, ونحن نحب لمثل هذه البرامج ان تكثر, وأن تتراحب بمن يقومون عليها الموضوعات والاهتمامات, وان يصب ذلك كله في تيار التنوير الذي لا يكنس الظلم والظلمات غيره فيما يعرف العارفون..