ميلتون برينير

الترجمة من الإنجليزية: سارة القضاة

الحبكة: فيغارو وسوزانا، خادمان للكونت ألمافيفا والكونتيسا روزينا، ينويان الزواج. سوزانا تعتقد أن للكونت مقاصد فيها، على الرغم من أن القرويين شكروه لنبذه حقه التقليدي في التمتع بخادماته بعد أول ليلة من زفافهن. سوزانا والكونتيسا تتآمران للإيقاع بالكونت؛ فيتم ترتيب لقاء عاطفي من قِبل سوزانا، إلا أنهما تتنكران وتتبادلان الأدوار، ويتم الاحتفاظ بالموعد من قِبل الكونتيسا نفسها، وعلى الرغم من التعقيدات، تنجح الخدعة، والنتيجة ندم الكونت وحسرته لخيانته زوجته.

«هذا عمل فظيع، ولن يُعرض أبداً.. هذا الرجل يضحك على كل شيء ينبغي أن يُحترم في الحكومة»..
هكذا صرخ ملك فرنسا لويس السادس عشر لملكته ماري أنطوانيت. كان ذلك في العام 1780، وكانت الملكة تقرأ له «زواج فيغارو»، مسرحية جديدة لبيير أوغستين كارون دي بومارشيه، الذي كان صانع ساعات لدى الملك في يوم ما.
مهنة بومارشيه كصانع ساعات استمرت فترة قصيرة، تركها في وقت ما ليصبح مبدعاً، مغامراً، مستشاراً للملك، ناشراً، وكاتبَ مسرحيات. وفي الحادية والأربعين من عمره سُجن لأكثر من شهرين في خضم التقاضي نتيجة أعمال تجارية كارثية انعكست عليه. تلك التجربة جعلته عدائياً وشرساً تجاه النظام القانوني، ولم يفعل شيئاً ليخفف انعدام ثقته في السلطة بشكل عام.
بعد عامين، انتعشت ثرواته إثر نجاح عرض مسرحيته «حلاق إشبيلية»، واستخدم جزءاً من هذه الثروة المكتسبة حديثاً لينظم دعماً لجيش جورج واشنطن الثوري، وحث الملك الفرنسي على المساعدة في تلك العملية. ومن الطبيعي، نظراً للجدل المحيط ببومارشيه، أن يتم وصفه من قِبل بعض المدافعين عن الحرية، ومن قِبل آخرين، بأنه «تاجر أسلحة غايته الربح».
كانت «حلاق إشبيلية» شبيهة بلمسة سيرة ذاتية.. الحلاق وفيغاور يشبهان بومارشيه.. ذكيان ومغامران من عامة الشعب، يساعدان في إسداء النصائح للنبلاء.
ومثل صانعه، يحصد فيغارو الشهرة لنفسه، ويعلو فوق منزلته، ويتناوب بين الثناء والشجب، بينما «يسخر من الأحمق، ويتحدى الشرير». المقارنة بين هذه الشخصية الوهمية وبين حياة المؤلف يدع مجالاً للشك بأن بومارشيه هو فيغارو، وفيغاور هو بومارشيه.
بعد فترة وجيزة من العرض الأول لمسرحية «الحلاق»، بدأ بومارشيه العمل على تتمّة تضم الشخوص والأبطال أنفسهم. في التتمة، زواج فيغارو، الحلاق يصبح خادماً خاصاً للكونت ألمافيفا.
كان للعمر وعناء السنوات الفاصلة بين العملين أثر في حزن الكاتب المسرحي ونضجه. فـ «زواج فيغاروا» كانت أكثر جدية من حيث الفكرة والتصور، وكانت لاذعة وأشد مرارة في النبرة والأسلوب. والرشقات النارية من الغضب المكبوت في «حلاق إشبيليه» هي الآن حادة كالسيف، وموجهة كطعنات في الصميم نحو النبلاء والحكومة والنظام القضائي.
«كن مطيعاً ومتذللاً في المجاملات».. ينصح فيغارو الكونت، و»ستنجح في كل شيء».. ولديه شيء آخر يقوله عن رجل القانون: «طرفٌ في دعوى، لكنه قليل التعليم، دائماً يعرف قضيته أفضل من بعض محامٍ.. يهتف ويهز رأسه ويعرف كل شيء.. إلا الحقائق، يجلب الملل للمحكمة والنعاس لهيئة المحلفين، وبعد كل ذلك، يبدو أكثر انتفاخاً وتعجرفاً مما لو كان قد وضعَ خطبة شيشرون».
في المشهد الخامس بالمسرحية، في مونولوج مطول ينطوي على مكاشفة مع النفس، يقول فيغارو للكونت الغائب: «ماذا فعلت لكسب العديد من الأوسمة؟ لقد تحملت عناء أن تولد.. هذا كل شيء».
وبالمقارنة مع التضييق غير الرحيم الذي يمارَس من جهات رسمية وموظفين عموميين، فإن نص «زواج فيغارو» يبدو أليفاً ومروَّضاً، إلا أنه في وقته أضاء بريقاً، وعُدّ تحريضاً.
تكشف ردة فعل الملك والصعوبات التي واجهت إنتاج المسرحية وعرضها، لمحة عن المناخ السياسي الذي كان سائداً قبل تسع سنوات من وحشية الثورة الفرنسية. يشي بهذا الشيء وصفُ فيغارو لـ «الصحافة الحرة» في ذلك الوقت في المسرحية نفسها: «شريطة ألاّ أكتب عن الحكومة، أو الدين، أو الأخلاق، أو عن أشخاص في السلطة أو ذوي نفوذ، أو في الأوبرا أو غيرها من المسارح، أو عن أي شخص على اتصال مع أي شيء، يمكنني نشر ما أريد تحت إشراف اثنين أو ثلاثة من مراقبي المطبوعات».
أما «زواج فيغارو» فقد تعاقب عليها خمسة مراقبين، والمشكلة كانت مضاعَفة: كان هنالك ليس السخرية من طبقة النبلاء فقط، ولكن أيضاً المجازفة والخطورة في الشخصية الرئيسة في القصة، والتي تركزت حول حق الكونت بزوجة فيغارو، وهو الحق الذي كان يمتلكه نبلاء العصور الوسطى بقضاء أول ليلة بعد زفاف أي من خادماتهم.
توصيف هذا «الحق» يَكثر في أعمال الخيال، رجوعاً إلى واحدة من أقدم الملاحم المعروفة من بابل القديمة (جلجامش)، والدليل على وقوعها الفعلي تاريخياً ما هو إلا صفقة جيدة لا ريب فيها.
حدث عدد من التعديلات والتغييرات لتفوز المسرحية برضا الملك والمراقبين وتحصل على موافقتهم، إلا أن بومارشيه حارب في البداية مع مصادر أخرى، فقد حرك مشاعر أصحاب النفوذ والشأن العام من خلال القراءات المتكررة لمسرحيته في صالونات باريس.
وقد تم حفظ وقائع حية لهذه القراءات من أجلنا: الكاتب على منصة مرتفعة، يفتح مخطوطة مغلّفة بالأشرطة؛ هؤلاء الموجودون في الخلف يقفون على رؤوس الأصابع ليروا إيماءاته بصورة أوضح؛ الدوائر الكبيرة من الفتيات الصغيرات في الأطواق؛ واحمرار وجنات السيدات ذوات التربية الحسنة جراء الإثارة في حبكة المسرحية والحوارات الموحية فيها؛ الرجال في الخلف يمسكون بقبعات «التريكورن» بأيديهم، وضحكاتهم التي تصهل تتخللها قهقهات بصوت عال.
ازداد عدد القراءات كل يوم، بحسب ما كتبته احدى المعجبات، «كان يُسمع أشخاص يقولون: لقد كنت حاضراً، أو سأكون حاضراً لسماع عمل بومارشيه». وكلما ثار غضب الملك لويس متوعداً، ازداد فضول حاشيته. وصلت صفوف المعجبين والمؤيدين لبومارشيه إلى أماكن مرتفعة، وضمّت أصدقاء مقربين من الملكة، والأخ الأصغر للملك، وكاثرين إمبراطورة روسيا.
ظل الملك وعصبة من المراقبين يأمرون بتغييرات صغيرة؛ وبالتدريج، قام بومارشيه بتغييرات أصغر من تلك المطلوبة، متجرئاً بالدعم الجماهيري المتنامي، كما قام بومارشيه بترتيبات، بمساعدة ثلة من الأصدقاء، لعرض المسرحية على مسرح صغير.
وفي اليوم الكبير.. يوم عرض المسرحية، عندما بدأت تتلاقى العربات بالفعل على مدخل المسرح، تم إلغاء العرض بأمر مباشر من الملك، ما تسبب في استياء الكثير من المحاكم الصامتة وغضبها.
وبسبب التذمر النادر الناتج عن «القمع» و «الاستبداد»، والإلحاح المتواصل من جانب ماري أنطوانيت، اضطر الملك أخيراً إلى الموافقة على عرض المسرحية في أحد الممتلكات الخاصة لأحد النبلاء. كانت حاشية الملك مستمتعة وهي ترى نفسها تتعرض للسخرية والتهكم، بعد أن كانت تفترض أن السخريات موجهة فقط للآخرين.
في نهاية المطاف، رضخ الملك! الجميع أكدوا له أن المسرحية ستفشل، وسواء كان ذلك عن طريق أصدقاء بومارشيه أو أعدائه فالأمر ليس مؤكداً، وسلّم الملك أمره على أمل أن يتبدد مطلب الجماهير المحموم للمسرحية.
كان العرض الجماهيري الأول للمسرحية في 27 نيسان 1784، ولم يستطع سوى نصف الذين حاصروا المسرح منذ الثامنة صباحاً الحصول على تذاكر لحضور المسرحية، وقام حوالي ثلاثمئة معجب بحبس أنفسهم في غرفة تغيير ملابس الممثلين كوسيلة لضمان حضور المسرحية، فيما شق آخرون طريقهم بشكل عنيف، راشقين النقود للبوابين وهم في طريقهم إلى الداخل.
جاء رئيس المحكمة العليا إلى بومارشيه طالباً منه إذا كان بإمكانه استبدال تذاكر مخصصة للصالة بتلك التي حجزها والمخصصة للمقصورات المكشوفة للجميع، وأوضح له أنه دعا عدداً من السيدات اللاتي لا يوافقن على المسرحية ولا يدعمنها، وأنهن لن يأتين إلا إذا كان بالإمكان إخفاء وجودهن؛ فرد عليه بومارشيه: «لقد وهبتُ عملي للعامة من أجل تسليتهم لا من أجل توجيههم؛ ولا من أجل منح الحمقى المتأنقين متعة التفكير جيداً فيه داخل مقصورة شريطة عدم الإساءة لهم في المجتمع. أنا أرحب بك سيدي الرئيس، واحتفظ بمقصورتك».
حققت المسرحية نجاحاً باهراً، وجلبت لمؤلفها شهرة وثروة أكبر بكثير من «حلاق إشبيلية»، حتى إنه تبرع بمنزل للأمهات المحتاجات.
في ذلك الوقت، كان ولفانغ أمانديس موتسارت يعيش في فيينا بعمر التاسعة والعشرين، ومثل بومارشيه كان ثائراً متمرداً. جاء إلى فيينا قبل سنتين بعد أن طرده رئيس الأساقفة في سالزبورغ من عمله. غادر بعد أن تلقى ركلة، بمعناها الحرْفي، في سرواله، من رجل دين فقد صبره إزاء «وقاحة» هذا الموسيقار.
رغم أن «زواج فيغارو» كانت قد مُنع عرضُها في فيينا بقرار من الإمبراطور جوزيف الثاني، لأنها «صريحة جداً بالنسبة لجمهور مهذب»، إلا أن الإمبراطور سمح بتداولها منشورة في وقت متأخر من العام نفسه. واستعرض المترجم نفسه موهبة الفكاهة عن طريق إهداء الكتاب إلى مئتي «دوقية» (عملة نقدية) سيخسرهن نتيجة لحظر الإمبراطور عرض هذه المسرحية.
حدث أيضاً في ذلك الوقت، أن الإمبراطور، صاحب التربية والتوجه الموسيقي، شهد رواج الأوبرا الألمانية المتزايد، وعانى من ذلك، ما دفعه إلى الدعوة لتأسيس مشروع للأوبرا الإيطالية كان قد أُهمل طويلاً، وكان مدير الأوبرا الإيطالية أنطونيو سالييري، هو المؤلف الموسيقي للبلاط، فيما كان لورنزو دا بونتي هو الشاعر الرسمي للمسرح.
لم تكن حياة دا بونتي مملة هو الآخر، فقد وُلد يهودياً في بلدة إيطالية صغيرة، قبل أن يتحول هو وشقيقه ووالده عن الديانة اليهودية حين كان دا بونتي ما يزال في الرابعة عشر من عمره ليتمكن والده من الزواج مرة أخرى بفتاة مسيحية.
درَسَ دا بونتي الكهنوت، وتم تعيينه كاهناً وهو في الرابعة والعشرين، وسرعان ما تخلى عن المغامرات الغرامية الشهوانية التي من شأنها أن تنافس خرافات الكونت ألمافيفا أو الحياة الحقيقية لصديقه كازانوفا. ومع ذلك، تمكن دا بونتي في مذكراته، من أن يصف الفترة القصيرة التي كان فيها كاهناً بوصف ذلك الحادثة المحرجة الوحيدة في حياتهه.
وفي العام 1779 غادر إيطاليا مسرعاً إثر فضيحة تتعلق بامرأة متزوجة، إذ أدين في البندقية بالزنا واتخاذ محظيات غير شرعيات، وحُكم عليه بالسجن خمسة عشر عاماً، كما تم تهديده بالحبس الإضافي لسبع سنوات في زنزانة إذا ما قُبض عليه وهو ما يزال في البندقية. إلا أن دا بونتي كان في الوقت الذي صدر فيه الحكم قد غادر منذ فترة طويلة بعد أن حصل على إقامة في النمسا.
خلال تواجده في إيطاليا، ترك دا بونتي بصمة تشير إلى أنه صاحب موهبة أدبية واعدة، وحين وصل إلى فيينا العام 1782 كان مسلحاً برسائل توصية لسالييري. كانت أول مشاركة له كمؤلف أوبرالي مع سالييري فاشلة، وألقى سالييري اللوم بفشل العمل على دا بونتي. بعد تلك الحادثة، كان سالييري أكثر من سعيد لإنهاء خدمات الشاعر وإطلاقه في الشارع ليتجول بشعره في مكان آخر.
التقى دا بونتي بموتسارت بعد فترة قصيرة من وصول هذا المؤلف الموسيقي إلى فيينا، وأبدى احترامه له لما وصفه لاحقا بـ «الاكتساح العبقري لموتسارت»، وطلب موافقته ليكتب نصاً أوبرالياً له، فوافق موتسارت الذي كانت لديه فكرة عن النص الذي لا بد أن يتم تأليفه. لم يكن موتسارت على اطلاع على نص «زواج فيغارو» فقط، بل كان قد اطلع أيضاً على»حلاق إشبيلية»، الأوبرا التي عُرضت مؤخراً في فيينا للمؤلف الموسيقي جيوفاني بايسيليو (إذ لم يكن روسيني قد وُلد آنذاك)، والمستندة إلى مسرحية بومارشيه. وسرعان ما وافق دا بونتي على الاقتراح.
بحلول تشرين الثاني 1785 كان موتسارت يجتهد بإبداع الموسيقى، منكباً على التأليف، يكتب المقطوعات بأسرع ما يمكنه، كما يقول دا بونتي. وبعد عشرين عاماً على كتابة الواقعة، ادعى دا بونتي أنه هو من أقنع الإمبراطور بالسماح لأوبرا موتسارت أن ترى النور على خشبة العرض، لتتقدم على عرضين آخرين كانا يتنافسان في الوقت عينه، بينهما عرض لسالييري. وقال دا بونتي إنه أعطى للإمبراطور ضمانات ووعوداً بتقديم جمال الموسيقى والطبيعة النقية للنصوص على حد سواء.
اتبع النص الأوبرالي لدا بونتي الهيكل الأساسي لمسرحية بومارشيه، إلا أنه كان أقصر وأكثر إحكاماً، لكنه يحتفظ بمعظم خطوط المسرحية والأحداث فيها، وحتى بكثير من الحوارات. وباستثناء ما يتمحور حول «حق اللورد» وتلاعب الخادم بالكونت، تم تقريباً إزالة كل الأشياء التي كان يمكن عدّها كريهة لدى الطبقة الأرستقراطية، وبدلاً من الهجاء أصبح لدينا شخصيات نموذجية؛ أكثر عمقاً وتنوعاً وإنسانية.
لقد غابت كل السخريات اللاذعة، وولى معها مشهد المونولوج الخامس ومكاشفة النفس المطول، والسيرة الذاتية لجوهر الأشياء والسخرية المريرة المتخمة.
من العبث أن ننتقد موتسارت ودا بونتي الآن، لكن يحق لأيّ واحد فينا أن يبدي نبرة أسف عابرة لغياب النغمة التي كان يمكن أن يصنعها هذا الثنائي. لقد كانت قراءة الملكة لمناجاة النفس هذه هي ما عجّلت تحديداً انفجار غضب الملك لويس وأثارته بشكل سريع ومفاجئ.
عُرضت الأوبرا في فيينا في الأول من أيار 1786، ووُصفت ردة فعل الجمهور من قِبل أحد المراقبين بأنها كانت «فاترة أقرب إلى البرود». ثم عُرضت مرة أخرى في كانون الأول في براغ، لجماهير واسعة ذات ذائقة تقدّر الأعمال الفنية، حيث أقيم العرض تحت رعاية باسكوال بونديني، مدير المسرح الذي نجح في عرض وإخراج أوبرا موتسارت السابقة «اختطاف من جناح الحريم».
كان حماسة الجمهور في براغ تتحدث عن نفسها وعن المستوى المتطور للثقافة والذائقة الموسيقية الرفيعة في تلك المدينة، إذ إن «زواج فيغارو» لم يكن عملاً موسيقياً عادياً، بل كان شيئاً جديداً في دار الأوبرا، وكأنه مشكال (1) معقد، وأكثر تعقيداً من أي شيء سبق سماعه على المسرح الأوبرالي.
تلقى موتسارت في كانون الثاني 1787 دعوة من مؤسسة «خبراء مميزون وعشاق الموسيقى» لسماع أداء الأوبرا في براغ، وقد أثلج صدره هذا الاستقبال المثير والمليء بالحماسة لأوبراه في العاصمة البوهيمية، ولم يتردد هو وزوجته، كونستازيه، بالقيام برحلة لثلاثة أيام ونصف اليوم إلى هناك.
كل الأعمال الأوركسترالية والجمل الصوتية التي ألّفها موتسارت بصورة فاخرة ودقيقة ومتناغمة ورائعة، وتلقفتها براغ باستقبال أفضل مما فعلت فيينا، لم يكن مجرد صدفة؛ فبراغ مدينة غارقة بالثقافة الموسيقية أكثر بكثير من فيينا، وتضج من كل مسامها بالحياة البوهيمية.
ولقرون عدة، ظلت العائلات الثرية والنبيلة ترعى الشباب الصغار الذين يتميزون بموهبة موسيقية، وتضعهم في مراكز الموسيقى لمواصلة تعليمهم، ومن ثم تدعمهم حتى يجدون من يوظفهم. وكان مديرو المدارس ملتزمين بكتابة قدّاس جديد كل عام يغنّونه مع تلامذتهم. فالمعرفة الموسيقية كانت تعدّ شرطاً مسبقاً وأساسياً للتوظيف حتى في الجيش، فقبل أن يتعلم الجندي في كتيبة الرماة نفخ البوق بشكل ممتاز، لم يكن يُسمح له أن يرتدي زيه العسكري.
فليس من الغريب إذن أن الجماهير في براغ استطاعت فوراً أن تقدر هذه الموسيقى التي كانت في ذلك الوقت طليعية ومعقّدة وصعبة، وتتفوق على كل ما تم سماعه سابقاً.
في حياته القصيرة، كانت أسعد أيام موتسارت هي حين احتُفي به وتم تكريمه في براغ، إذ كتب في الخامس عشر من كانون الثاني لصديق له، بعد أيام من حضوره حفلاً راقصاً: «كنت سعيداً جداً وأنا أرى كل هؤلاء الناس يتقافزون على موسيقاي في (فيغارو)، وقد تحولت إلى رقصات الفالس والرقصات الشعبية.. إنهم لا يتحدثون هنا عن شيء سوى (فيغارو)».
لكن، حتى جمهور براغ ما كان ليعرف أن هذه الموسيقى ما هي إلا أول عمل من روائع الأعمال الأوبرالية الكثيرة التي ستصبح جزءاً من ذخيرة أوبرالية موسيقية دائمة.. ذخيرة قدرها أن تستمر حتى القرن العشرين، واليوم ها هي تُعِدّ نفسها لتصمد لقرون أكثر.
بعد «زواج فيغارو»، كان هناك دفق منتظم من الأعمال المتقنة لما يقارب المئة وخمسين عاماً؛ إلا أن هذه الأيقونة ظلت الأفضل.
المسرحية لم تحقق نجاحاً جيداً، وهي الآن مجرد عمل لإثارة الفضول، وفي غياب أوبرا موتسارت فإنها لن تحظى بانتشار واسع، على الرغم من أن نابليون بونابارت نفسه أطلق عليها لقب «الرصاصة الأولى» للثورة الفرنسية، ولكن من وجهة نظر مئتي سنة إلى الوراء من الصعب أن تأخذ مثل هذه الادعاءات بدقة حرْفية.
على الأرجح، أن العوامل المثيرة التي أشعلت الثورة هي نفسها التي جعلت المسرحية شعبية جداً.. فقد كانت مسرحية آنية تحاكي ذلك الوقت، لكن الوقت تغير.
ما تزال العديد من أعمال بومارشيه متداولة بصورة واسعة ومقروءة. ولكن من خلال الإبداع الفني لموتسارت ودا بونتي، استطاع جمهور أوسع أن يرى هذا الرجل نفسه، أو على الأقل ما يمكن أن يراه منه من خلال شخصية فيغارو المخلدة، مصوَّراً بأيقونة على خشبة المسرح الحي إلى الأبد.

* من كتاب «الأوبرا وراء الكواليس.. الحكايات العاطفية والسياسة وراء أعظم الأعمال الأوبرالية» (Opera offstage).