سامح المحاريق

.. smahariq@gmail.com


 لعبة اللوبيات في السياسة والعلاقات الدولية

أميركا في خطر

وصفه رئيس الأيباك (لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية) بعدو اسرائيل، وقامت الجماعات السياسية الداعمة لاسرائيل بتقديم المساندة لمنافسه في انتخابات مجلس النواب الأمريكي سنة 1982 ديك دوربان الأمر الذي أفقد بول فندلي مقعده التشريعي الذي بقي محتفظا به لمدة 22 سنة، منذ أن نجح في الوصول إلى مجلس النواب للمرة الأولى سنة 1961، ولكن فندلي لم يتراجع أمام الضغوط الإسرائيلية التي تعبر عن نفسها من خلال جماعات الضغط المعروفة باللوبي الإسرائيلي أو اليهودي، وبقي يعمل على فضح السيطرة الخفية لمناصري اسرائيل على السياسات الأمريكية، وكذلك اتخذ مواقف يمكن وصفها بالداعمة للقضية الفلسطينية أثناء تواجده في مجلس النواب وبعد مغادرته،  حتى أنه توجه في مرحلة حرجة بعد أحداث سبتمبر 2001 ليحمل الإنحياز الأمريكي لإسرائيل مسؤولية الهجمات على مركز التجارة العالمي والبنتاجون، وكذلك وصف الغزو الأمريكي على العراق في 2003 بأنه كان في الأساس لتقديم خدمات لإسرائيل وليس لمصلحة السياسة الأمريكية على الإطلاق، ولعل أعمال فندلي في مجال الكتابة ومن أهمها كتابه (من يجرؤ على الكلام؟)
، الذي تصدر مبيعات الكتب في الولايات المتحدة لأسابيع متواصلة، يحمل الإجابة عن سؤال الرئيس الأمريكي جورج بوش الإبن، لماذا يكرهوننا؟، علما بأن الكتاب طرح للمرة الأولى سنة 1985، أي قبل أن يتوجه الرئيس الأمريكي بهذا السؤال بأكثر من خمس عشرة سنة، ولكن الرئيس بوش لم يكن من ناحية قارئا جيدا، وحتى ولو فكر في القراءة فإن آخر ما يمكن أن يثير اهتمامه هو كتابات فندلي.
يمثل فندلي الوجه الآخر للحلم الأمريكي، أو الوجه الخفي لأمريكا، حيث ولد في منطقة ريفية بعيدة عن ناطحات السحاب وعصابات المافيا ومقرات البنوك الكبيرة، فهو أمريكي ريفي كانت قضيته الأساسية العمل على تطوير الزراعة وتطوير حياة الفلاحين الأمريكيين، الذين يشكلون وقودا انتخابيا جيدا لأي حزب، وخاصة الحزب الجمهوري، حيث أن معظمهم من المحافظين سياسيا واجتماعيا، ولكنهم في المقابل لا يحصلون على ما تحصل عليه الأقلية اليهودية من عناية البيت الأبيض واهتمامه، تفتح وعيه على العالم مع أزمة الكساد الكبير، وهو ينتمي طبقيا إلى الشريحة الأدنى في الطبقة المتوسطة، وكان يعتبر أن وضعهم الاجتماعي يعتبر جيدا قياسا بالآخرين لأنهم لم يضطروا في تلك المرحلة للتسول على الأبواب، ولاستكمال دراسته اضطر منذ الطفولة للعمل في مهن هامشية وصغيرة، وتمكن من التفوق في الدراسة بجانب عناية كبيرة بالرياضة والموسيقى، حيث كان يقود الفرقة الموسيقية بمدرسته، والتحق فندلي بالجيش الأمريكي في الحرب العالمية الثانية، ليعود بعدها ويتوجه لممارسة العمل السياسي من خلال الحزب الجمهوري، وكان يتمثل في مسيرته السياسية الأفكار الكبيرة المتأثرة بالرئيس الأمريكي إبراهام لينكولين والتي قامت بتغيير وجهة التاريخ الأمريكي في القرن التاسع عشر.
بعد تصاعد حملاته على حرب فيتنام، وظهور مواقفه المؤيدة للعرب في القضايا المتعلقة بالصراع العربي – الإسرائيلي، وكذلك صداقته مع مجموعة من السياسيين العرب، بدأت حملات منظمة تواجهه من قبل الأيباك أدت في النهاية إلى خروجه من مجلس النواب الأمريكي، ولكنه لم تتمكن من إسكات صوته وتأثيره، ففندلي يرى أن السياسة الأمريكية الخارجية لا تخدم مصالح الأمريكيين، وأن على الولايات المتحدة أن تعني بالتحديات القائمة على مستوى الأراضي الأمريكية بصورة جوهرية، وأن تبقي مواقفها السياسية الدولية مرتبطة بالقيم المؤسسة للولايات المتحدة والقائمة على نظرتها للعدالة والمساواة، دون وجود أي تحيز ودون ممارسة السلوك الاستعماري الجديد الذي يسعى الساسة الأمريكيون من خلاله لتقديم خدمات لبعض الشركات الكبرى المتطلعة للهيمنة على الأسواق في خارج الولايات المتحدة.
كان من أهم المواقف التي اتخذها فندلي هو الدفاع عن صورة العرب والمسلمين في الولايات المتحدة، ورفضه بأن يتخذوا موقع العدو بالنسبة للأمريكيين في وسائل الإعلام ولدى الأوساط السياسية، حيث أن خبرته في التعامل مع الأوساط العربية تعود إلى الستينيات، والتقى العديد من الشخصيات العربية والتي وصفت كثيرا بالإرهابية، ولكنه يوضح كيف انكشفت لديه الدعاية المغرضة ضد بعض الأنظمة العربية، فهو يزور عدن التي كانت توصف بالعاصمة العربية الأكثر تطرفا وقربا من الاتحاد السوفييتي في الستينيات ليجد انفتاحا في التعامل لم يكن ليستوعبه زملاؤه في مجلس النواب أو دوائر القرار الأخرى في واشنطن، ويروي في كتابه (لا سكوت بعد اليوم) الذي خصصه للدفاع عن صورة العرب والمسلمين أن رحلاته للعالم العربي جعلته يبدأ في فهم الإسلام والمسلمين، فيقول:  (فتحت عيني علي ثقافة مستندة إلي الشرف والكرامة وقيمة كل إنسان، علاوة علي التسامح وطلب العلم؛ وهي معايير، عرفت، في ما بعد، أنها متأصّلة عميقاً في الدين الإسلامي. إنها أهداف كانت ستلقي استحسان أجدادي المسيحيين).
الكتاب يروي بصورة متوازنة وبحس أدبي رفيع المحطات الرئيسية في حياة فندلي في جانبها الإنساني والسياسي، وتجربته التي جعلته يتخذ مواقف مغايرة لما جرت عليه العادة بين الساسة في الولايات المتحدة، كما وتعبر عن شخصية تمكنت من الحصول على فرصة لرؤية العالم خارج المنظور الأمريكي المتحيز الذي ينمط صور الآخرين ويحبسهم في أحكام مسبقة، ففندلي يمثل صورة الأمريكي المتدين وابن الطبقة الوسطى، وهي الصورة السائدة في الداخل الأمريكي بعيدا عن المدن الكبيرة مثل نيويورك وشيكاغو ولوس أنجلوس، وهذه الفئة من الأشخاص لم ينجح الخطاب الإعلامي العربي في مخاطبتها بالصورة اللازمة، ولم يتمكن السياسيون العرب من التواصل معهم عن كثب، ولا يمكن التعليق على الكتاب بصورة أفضل من تعليق هيلين توماس كبيرة المراسلين السابقة في البيت الأبيض، والتي خرجت من وظيفتها بعد انتقادها لسياسات الاستيطان الاسرائيلي في فلسطين، حيث نصحت الرئيس الأمريكي أوباما بقراءة الكتاب ليحظى بمزيد من التبصر، فهل يفعلها الرئيس الأمريكي ويجد لديه الوقت ليطلع على تجربة فندلي؟


سير الملوك


يعتبر نظام الملك أبو علي الحسن الطوسي أحد الشخصيات التي لعبت دورا مهما في تأسيس السلطنة السلجوقية في أواسط آسيا، وكانت تمثل اليد اليمنى للسلطان ألب أرسلان الذي تمكن من توسعة نفوذ السلاجقة بصورة كبيرة، وتمكن من تحقيق انتصارات واسعة سواء على الروم أو على الدولة الفاطمية التي تبنت مذهب الإسماعيلية، وعلى الرغم من الاختلاف حول شخصية نظام الملك ووجود أساطير عن علاقته بالشاعر والفيلسوف عمر الخيام من جهة، والحسن الصباح مؤسس وزعيم فرقة الحشاشين، إلا أنه تمكن من إثبات براعته في إدارة الدولة السلجوقية وتنظيمها وجعلها تتفوق على الدول الأخرى المنافسة، ويمكن القول، بأن المساحة الواسعة التي أتيحت لنظام الملك ليكون صاحب القرار الفعلي في مسائل الإدارة الداخلية وتنظيم شؤون المال ورعاية العلماء والأدباء أتت نتيجة انشغال ألب أرسلان ومن بعده ابنه ملكشاه في الحروب التي خاضها السلاجقة، ويحسب الكثير لملك شاه في هذا السياق، فمن المعروف أن السلاجقة أنفسهم كانوا قبائل بعيدة عن الحضارة تعتمد على القتال لفرض تواجدها، وسادت العديد من الصراعات بين زعمائهم لفترة طويلة من الزمن، وكانت مسألة تنظيمهم وتمدينهم تحديا كبيرا تمكن نظام الملك من تحقيقه.
يعتبر كتاب سياست نامه، الذي كتب بالفارسية، وجرت ترجمته إلى العربية بعنوان سير الملوك، أحد كلاسيكيات التنظيم السياسي في العصور الوسطى،  ويعتبر الكتاب تركيزا أيضا على الأخلاق السياسية التي يجب أن تلحق بالسلطة، فهو يرى أن الملك عليه أولا أن يعمل على إزالة المظالم والتحلي بالخصال الحميدة، ثم يجعل من الرقابة على الولاة والوزراء المهمة الثانية للسلطان، حيث يتوجب عليه أن يطلع على طرق تعاملهم من الموارد من خراج وضرائب، وكيفيات تعاملهم مع الرعية بطريقة عادلة وضمان عدم تجاوزهم على حقوق الدولة والمواطنين، ويمضي نظام الملك إلى الجوانب التي يجب أن يبقى السلطان مطلعا عليها ويتابع أداءها مثل القضاء والقائمين على وظائف الإدارة العامة، ويقوم أيضا بالتركيز على مراعاة المساواة بين المواطنين وخاصة في الوظائف العامة وفي الجيش ومناصبه، مع الحرص على التعامل مع الأشخاص المتدينين حقا، وإبعاد أصحاب المذاهب الخبيثة، ولعل ذلك كان سببا في التربص به من قبل فرقة الحشاشين التي عملت على مطاردته حتى تمكنت من اغتياله لتلحق خسارة فادحة بالسلاجقة.


 معجم التنوير  



التسلح النووي Nuclear Armament

استيقظ العالم في السادس من آب 1945 على واقع جديد بعد أن استخدمت الولايات المتحدة القنبلة النووية في حربها ضد اليابان أثناء الحرب العالمية الثانية، وأسفرت القنابل النووية الأمريكية عن مصرع عشرات الآلاف من اليابانيين في لمحة بصر، وتسوية مدن بأكملها بالأرض، وكان من النتائج المباشرة لاستخدام هذا السلاح إعلان اليابان استسلامها وتوقيعها على اتفاقية مذلة لإنهاء حالة الحرب مع الولايات المتحدة، ولكن أهم النتائج غير المباشرة كان دخول العالم العصر النووي الذي خيم بثقله ومخاوفه على العالم خاصة في الأزمات التي كانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي الذي تمكن من امتلاك قوة ردع نووية خلال بضعة سنوات.
يرى البعض أن الولايات المتحدة كانت حسمت الحرب أساسا قبل استخدامها السلاح النووي، وأن اليابان كانت في وضعية الدولة المهزومة، ولذلك لم يكن هناك أي ضرورة لاستخدام القنابل النووية ضدها، وأن الأمريكيين أرادوا توجيه رسالة قوية لجميع دول العالم بأنهم يسيطرون على الأرض بأسرها، وأنه لا توجد قوة يمكنها أن تنافسهم على الإطلاق، ولكن العمل السوفييتي النشط والمستمر، واستغلال الكثير من الموارد المتاحة للسوفييت مكنهم من دخول النادي النووي سنة 1949.
وقف العالم على شفير الحرب النووية مرتين فعليا، كانت الأولى سنة 1956 عندما هدد الاتحاد السوفييتي بإمطار لندن وباريس بالصواريخ النووية إذا لم يتم إيقاف العدوان الثلاثي على مصر، وفي المرة الثانية إبان أزمة الهجوم الأمريكي على كوبا فيما أخذ يعرف بعملية خليج الخنازير سنة 1961، وتصاعدت المخاوف من الحرب النووية الأمر الذي أدى إلى وجود تحرك عالمي للضغط على الدول التي تحوز الأسلحة النووية للتوقيع على اتفاقيات تنظم إمكانية استخدام هذه الأسلحة، الأمر الذي أدى بعد جهود دولية إلى توقيع المعاهدة الدولية للحد من انتشار الأسلحة النووية سنة 1968 والتي تشمل حاليا 188 دولة من بينها خمس دول من المؤكد امتلاكها لترسانات نووية وهي الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي سابقا (روسيا)، الصين وبريطانيا وفرنسا، أو بما يعني الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، بينما تبقى من الدول النووية خارج المعاهدة كل من الهند وباكستان وكوريا الشمالية واسرائيل، إلا أن الدولتين الأخيرتين ليس من المؤكد بالفعل امتلاكهما لأسلحة نووية، حيث لم تقوما بأي تجارب تثبت أو تنفي وجود قوة نووية لديهما.
تطورت الأسلحة النووية بصورة ملموسة أثناء الصراع، واستطاعت الولايات المتحدة وروسيا تحديدا امتلاك قدرات نووية مدمرة للغاية يمكن أن تتسبب في تأثيرات تدميرية وإشعاعية تتسبب في فناء الملايين من البشر في لحظات معدودة.

تسييس Politicization
هي عملية يجري فيها تحويل الحدث غير السياسي إلى جزء من صراع أو نزاع أو حوار سياسي، بحيث تحاول الأطراف السياسية المختلفة، أو أحدها على الأقل، أن تضفي على الحدث سواء كان اجتماعيا او اقتصاديا الصفة السياسية، وتقوم بعض الجهات السياسية مثل الأحزاب أو القوى المعارضة بتحويل الإضرابات والاعتصامات في الشركات الخاصة والعامة والتي تنشأ أساسا من أجل تحسين الرواتب أو الامتيازات الوظيفية إلى حدث سياسي، بحيث يجري تحميل الحكومة المسؤولية عن عدم حصول الموظفين على حقوقهم إما نتيجة القوانين التي تصدرها أو عدم تطبيق هذه القوانين بالصورة الصحيحة، وكذلك يمكن أن يتحول حدث اجتماعي مثل جريمة ترتكب بصورة منفردة ليتم تحميلها بعدا سياسيا واتهام بعض الأطراف بالمسؤولية غير المباشرة عن حدوثها، كأن تتهم الحكومة بعدم تخصيص المبالغ اللازمة للأمن، أو أنها لا تطرح للتشريع قوانين رادعة للجريمة.

التشغيل الكامل Full Employment
وضع اقتصادي يكون فيه عدد الوظائف المطروحة مساويا أو أكثر من عدد المواطنين الراغبين والقادرين على العمل، بحيث تصبح نسبة البطالة الحقيقية صفرا، وهذه الحالة نظرية أكثر منها ممكنة، إلا أنها يمكن أن تتحقق في حالات الحروب حيث تكون الحاجة ملحة إلى جميع القوى العاملة لتجنيد عدد كبير من المواطنين في الجيش، أو فترات الازدهار غير العادية والمؤقتة عادة المرتبطة بمواسم معينة مثل إجراء بطولات رياضية كبرى في أحد البلدان، أو تزايد الطلب على بعض منتجاتها بصورة كبيرة ومفاجئة.

التصديق Legalization
المرحلة النهائية لوضع أي قانون أو  مرسوم حكومي وضع التنفيذ، وعادة ما يجري اتخاذه من رئيس الدولة بصفته رأس السلطة التنفيذية والمرجع للسلطات الأخرى، فجميع القوانين التي يجري اتخاذها من المجالس التشريعية يجب أن يتم تصديقها من الرئيس، وكذلك فالمعاهدات الدولية يجب أن تجري مصادقتها قبل أو بعد توقيعها من خلال المجالس التشريعية لتكتسب الصفة الدستورية اللازمة التي تتيح للدولة أن تتحمل التبعات القانونية القائمة على توقيع المعاهدة، وأن تصدر بالتالي القوانين اللازمة لتمكين الدولة من الالتزام بنصوص المعاهدة، ويجب كذلك أن يتبع التصديق من المجلس التشريعي بتصديق الرئيس، ونادرا ما تبقى القوانين أو المعاهدات معلقة دون تصديق من الجهة المعنية، حيث جرت العادة السياسية أن يتم وضع الرئيس أو المجلس التشريعي في حالة المعاهدات الدولية في صورة التطورات المختلفة التي تجري فيها المفاوضات لتوقيع الاتفاقيات، ويتم الرجوع دائما من قبل المفاوضين لمرجعياتهم في بلدانهم في حالة شعروا بأن بعضا من البنود لا يمكن تصديقها أو الموافقة عليها.

التصعيد Escalation
العمل على رفع وتيرة الضغوط بصورة فعلية من خلال مواقف ملموسة، أو بصورة غير فعلية مثل التلويح أو التهديد باتخاذ إجراءات قاسية تجاه الطرف الآخر، وعادة ما يجري التصعيد في الصراعات بين الدول، سواء من خلال العمل على سحب أو طرد السفراء، ومنع مواطني الدولة الأخرى من الدخول، وأحيانا تحريك القوات المسلحة على مقربة من حدود الدولة الأخرى، والتصعيد هدفه الضغط من أجل الحصول على مواقف أقل حدة، أو إجبار الدولة الأخرى على الموافقة على شروط الدولة التي تقوم بالتصعيد، ويمكن أن يكون التصعيد متبادلا بين الدولتين، سواء كانتا متوازنتين في القوة، أو توجد بينهما فروق كبيرة في القوة والتأثير، ويعتبر التصعيد أحد المراحل التي يمكن أن تصنف بالدبلوماسية الخشنة بين الدول، حيث أن التصعيد لا يشتمل في أحيان كثيرة على احتمالات نشوب الحرب بين البلدين، ولكن برغبة واحدة من البلدين في الحصول على مكتسبات سريعة نتيجة إظهار إصرارها على تحقيق مطالبها.
يمكن أن يكون التصعيد اقتصاديا، وأن يكون جزءا من الصراعات الاقتصادية بين الدول، كأن يتم فرض جمارك إضافية على الواردات من دولة معينة، أو منع الشركات التابعة لهذه الدولة من العمل على أرض الدولة التي تقوم بالتصعيد.
التصعيد على المجال المحلي يمكن أن يجري من خلال اجراءات المقاطعة أو الاضرابات، ويمكن أن يتم من خلال الدولة بسياسة الاعتقالات أو المصادرة، ويمكن أن يؤدي التصعيد إلى نتائج عكسية فيؤدي إلى تفاقم الصراع بصورة كبيرة وليس لحسمه كما يتوقع الطرف المصعد.
يعتبر التراجع عن الإجراءات التصعيدية مثل إعادة السفراء بين الدول انفراجا في الصراع، وابداء للرغبة في إعادة التفاوض بطرق سلمية أو على أرضية هادئة، ولا يعني انتفاء أسباب الصراع أو انتهائه.



السلطان محمد الفاتح



شكلت مسألة فتح القسطنطينية طموحا لكثير من الخلفاء المسلمين، فمن ناحية كان الناس ينقلون حديثا عن الرسول الكريم، تبقى مسألة تحقيقه وظيفة علماء الحديثن ولكن الحديث عن فتح القسطنيطينية والجيش الذي يقوم بلافتح وأميره لقي شيوعا كبيرا بين المسلمين، كما أن القسطنطينية كانت العاصمة التي ورثت الإمبراطورية الرومانية، حتى أطلق عليه روما الجديدة، وكانت أيضا الباب الشرقي لأوروبا حيث يعتبر اجتيازها مدخلا للتوغل في القارة الأوروبية والسيطرة على جانب كبير منها، إلا أن الفتح الإسلامي تأخر لقرون رغم العديد من المحاولات التي سعت لتحقيقه من القادة المسلمين، فالمدينة هي عاصمة الإمبراطورية البيزنطية وبها ثقل سكاني وعسكري كبير، كما أن تقع في منطقة حصينة يتطلب الوصول التغلب على العديد من العوائق اللوجستية، فالمدينة محصنة بصورة جيدة بأسوارها العالية وموقعها المرتفع والمطل على مضيق البسفور، وهو ما كان يتطلب أن ينجز تقدم حضاري في الأدوات المستعملة في الفتح من معدات عسكرية ووسائل للنقل، وكذلك في التنظيم العسكري نفسه، وهو ما أصبح متاحا للعثمانيين وبقيت شخصية السلطان محمد الثاني آخر الشروط لاستكمال الفتح، فالشاب الذي كان يبلغ الثانية والعشرين من العمر تمكن من حصار المدينة ودخولها، والتأكيد على قيم الإسلام المتسامح وهو يتوجه مباشرة إلى كبرى كنائسها آيا صوفيا ليعلن تأمينه لأهالي المدينة على حياتهم وحريته ومعتقداتهم.
الكتاب الذي يقدمه الدكتور الشيخ نهرو محمد الكسنزاني صورة متكاملة عن حياة وفتوحات السلطان محمد الفاتح مبينا طموحه المبكر وتعلقه بحلم فتح القسطنطينية تحت تأثير نشأته الصوفية وتعليمه الديني في الطفولة، ويوضح الكتاب مسيرة السلطان الفاتح ومنجزاته العسكرية المختلفة وحروبه التي خاضها في أوروبا وآسيا الوسطى، وكذلك عمله على رعاية العلم والتدريس، والتركيز على التقدم العلمي والتقني في الإمبراطورية العثمانية لتكون أساسا لتسليح الجيش، ولذلك قام بتأسيس المعاهد الذي تحول أحدها إلى ما يعرف اليوم بجامعة أسطنبول،  وأيضا اهتمامه بالأدب والشعر فيكشف الكتاب عن أعمال شعرية للسلطان، وإجادته عددا من اللغات بجانب اللغة التركية والعربية، وبذلك ينشكف الوجه المشرق للتاريخ العثماني بحيث يأتي فتح القسطنطينية تكليلا لمرحلة من النهضة والتقدم وليس حدثا تاريخيا منعزلا عن مقدماته، ففتح القطسنطينية وضع العثمانيين ليس على مسرح التاريخ وحسب وإنما في مقدمته لفترة طويلة من الزمن.