صالح القلاب

لم يكن بشار الأسد موفقاً في إطلالته الجديدة على شعبه وعلى المتابعين والمهتمين في العالم كله فهو بدا متوتراً ومناكفاً وهو تحدث وكان الأمور لا تزال تقف عند ما كان جرى في درعا في آذار (مارس) عام 2011 وكأن سوريا لم تعد ممزقة ومسرحاً لصراع إقليمي ودولي تعدى الطابع السياسي إلى الطابع العسكري وكأنه ليس هناك ستون ألف قتيل وأكثر من هذا العدد من المفقودين والجرحى وكأن أعداد الفارين إلى الخارج لم تصل إلى نحو مليون بينما أعداد المهجرين في الداخل تجاوزت الثلاثة ملايين وكأن كل هذا الدمار المرعب فعلاً لم يحل بالمدن السورية كلها وفي مقدمتها حلب الشهباء وحمص وحماه وإدلب ودير الزور.. وكل هذا بالإضافة إلى بلدات ريف دمشق وبلدات وقرى حوران كلها.
هل يعقل أن تكون إطلالة رئيسٍ غارقة بلده في كل هذا الدمار والخراب وفي أنهار من الدماء هي هذه الإطلالة المعيبة وهل يعقل أن يتحدث رئيس ،بات ينام كل ليلة على أصوات الإنفجارات وأزير الرصاص، إلى شعبه الملكوم الذي ينزف دماً بطريقة «الفلاسفة»!! ويكرر ما كان قاله سابقاً حول «جراثيم» البطون وأن يكون خطابه الذي من المفترض أنه خطاب أزمة محاضرة مدرسية فيها أولاً وثانياً..وحتى عاشراً!!.
كان الشعب السوري الذي غدا معظمه مشرداً..حتى داخل وطنه ينتظر إطلالة غير هذه الإطلالة وكان ينتظر كلاماً عاقلاً ومسؤولاً يتعامل مع الواقع بكل جدية وغير غارق في الأوهام والمزايدات والمناكفات فسوريا بقيت تسمع خطابات عرمرية على مدى أربعين عاماً وأكثر وهذا هو ما اوصلها إلى هذه المأساة التي تعيشها ولهذا فقد كان منتظراً أن يتحلى بشار الأسد بالشجاعة التي من المفترض أن يتحلى بها من هو في موقعه وأنْ يقدِّم مصلحة بلده ومصلحة شعبه على العنجهيات الفارغة وأن يضحي بباقي ما تبقى له من حُكْم ومن مسؤوليات ويحدد موعداً لرحيله وبشروط تحافظ على وحدة هذا البلد العظيم فعلاً وتجنبه مخاطر الإنقسام والحروب الطائفية.
فهل أن بشار الأسد يا ترى ،حتى يقول هذا الكلام الذي يقوله وحتى يخطب هذا الخطاب الذي لا يقوله إلاَّ منتصرٌ يملك السعي لفرض إملاءاته على خصمه، لا يعرف أنَّ ثلثي سوريا وأكثر أصبح خارج عن سيطرته وسيطرة أجهزته الأمنية و»شبيحته» وأن الجيش النظامي قد فرَّخ جيشاً وطنياً هو الجيش السوري الحر وإن أعداداً هائلة من كبار الجنرالات السوريين قد لجأوا إلى «الإنشقاق» والإلتحاق بهذا الجيش الحر وان نكتة العصابات المسلحة أصبحت نكتة مضحكة وأن مشروع الحل الذي تقدم به في خطابه العرمري هذا إنْ كان يصلح لبدايات عهده قبل أن يسحب قواته مرغماً من لبنان وقبل أن تصبح أحواله هي هذه الأحوال المزرية فإنه لم يعد يصلح بعد كل هذا الذي جرى وهذا يدلُّ على عدم إدراك أنَّ ما كان قائماً قبل عامين لم يعد قائماً الآن وأن مياهاً كثيرة قد سالت من تحت الجسر السوري وأنَّه لا عودة وعلى الإطلاق إلى أوضاع ما قبل إنطلاقة شرارة درعا الباسلة في آذار (مارس)2011.
وحقيقة ،وهذه الحقيقة يجب ان يعرفها بشار الأسد الذي يبدو أنه لا يعرف شيئاً عما يجري حتى في جوار قصره حتى تكون إطلالته الثالثة كإطلالتيه السابقتين منذ إنفجار الأحداث في سوريا، أنَّ كل الذين أستمعوا إلى خطاب أمس الأول ،من غير الذين استقبلوه في قاعة «أوبرا» دمشق الفارهة بالهتاف والزغاريد والتصفيق، قد ترسخت لديهم قناعة بأنه الخطاب الأخير وأنَّ كل هذه المكابرة تدلّ على الهروب من مواجهة الواقع وأنَّ ما قاله ربما هو وداع لدمشق لا لقاء بعده.
عشية «الحركة التصحيحية» في تشرين الثاني 1970 التي إنتهت إلى هذه النهاية المأساوية المزرية قرأت بيتاً لشاعر مناسبات لم أعد أذْكر إسمه يقول:
تنام جلَّق بين اليأس والكمد ........ أما من منقذٍ يا حافظ الأسد
فهل هناك كمدٌ أكثر من هذا الكمد.. وهل أنه مكتوب على سوريا التي دخلت دوامة الإنقلابات العسكرية في عام 1949 أنْ تصل إلى ما وصلت إليه وأنْ تفقد من عمرها ومن أعمار أجيالها كل هذه السنوات الطويلة التي كلها كمدٌ في كمد!!.