ابراهيم العجلوني

قرأت في الجزء الأول من تفسير القرطبي، نقلاً عن صحيح مسلم، قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أول الناس يُقضى عليه يوم القيامة رَجُلٌ استُشهدَ فأتي به، فعرفه نعمة فعرفها قال فما عملت فيها قال قاتلتُ فيك حتى استشهدت قال كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء فقد قيل ثم أمر به فسُحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلّم العلم وعلّمه وقرأ القرآن فأتي به فعرّفه نعمة فعرفها قال فما عملت فيها قال تعلّمت العلم وعلّمته وقرأتُ فيك القرآن قال كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم وقرأت القرآن ليُقال قارئ فقد قيل، ثم أمر به فسُحبَ على وجهه حتى أُلقي في النار.. إلى آخر ما جاء في الحديث الشريف..
وقرأت فيما صحّحه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» قول رسولنا الكريم عليه صلوات الله وسلامه: «يظهرُ هذا الدين حتى يجاوز البحار وحتى تُخاض البحار في سبيل الله تبارك وتعالى، ثم يأتي أقوام يقرأون القرآن فإذا قرأوا قالوا: من أقرأُ منّا من أعلمُ منّا، ثم التفت إلى أصحابه فقال: هل ترون في أولئك من خير؟ قالوا: لا. قال: «أولئك منكم وأُولئك من هذه الأُمّة وأولئك هم وقود النار».
كما قرأت تفسير أبي جعفر محمد بن علي لقوله تعالى: «فكبكبوا فيها هم والغاوون» حيث يقول: هم «قومٌ وصفوا الحق والعدل بألسنتهم وخالفوه إلى غيره».
كما قرأت، إلى ما تقدم، ما جاء في صحيح البخاري من حديث رسولنا العظيم عن «المنافق الذي يقرأ القرآن» فخلصت مما قرأت إلى أن العبرة ليست في ظاهر ما يبدو من أقوال الناس وإنما هي في بواطنهم وخالص نيّاتهم وأعمالهم. وتذكرت حديثاً آخر لنبي الرحمة يقول فيه: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأقوالكم ولكنه ينظر إلى قلوبكم وأفعالكم»..
ونحن حين نرى إلى عالمنا العربي الإسلامي اليوم، وإلى ما يموج به من فتن، نجد أن معظمها جاءنا متخفياً برداء الإسلام وتحت شعاراته. ونجد أن كثيراً من الجماعات التي ترفع هذه الشعارات عاملة ناصبة في خدمة أهداف الاستعمار في بلادنا، وان بعضها صنع على عينه وبترتيب من خبرائه ومستشرقيه, وإذ لا نعدم حركات إسلامية انطلقت انطلاقة ذاتية أصيلة, فإننا لا نعدم في الوقت نفسه ألواناً من التربص بها, يريد ليحرفها عن نهج الإسلام السمح الى ضروب من الانغلاق المدمر أو التساهل المنكر على نحو يجعلها, من حيث لا تدري, خادمة لأعداء الأمة, شأنها في ذلك – وعلى اختلاف النشأة – شأن الطوائف والجماعات التي انشأها الاستعمار لشق صفوف العرب والمسلمين, ولابقاء نيران الفتن مشتعلة في ديارهم..
إن الصور والأقوال والشعارات والدعاوى.. كل أولئك لا معوّل عليه, بل هي شباك منصوبة على أديم واقعنا المرتبك من الماء إلى الماء.
على أن حبل الكذب قصير, وآيات المنافقين تفضحهم من أقرب سبيل. وما يزال في أمتنا من لا يؤخذون بظواهر الأمور, ومن يمتلكون وعي المؤمن وفراسته. ولعل هؤلاء أن يكونوا, فيما نستقبل من أيام, أقوى ناصراً, واعز جنداً, وأن يعودوا بهذه الأمة إلى المحجة البيضاء والسبيل القويمة بعد أن زاورت عنها – بفعل الفاعلين – أحقاباً..