عمان- محمد جميل خضر -  شكّلت المحاضرة التي ألقاها قبل أيام الكاتب مجدي ممدوح في قسم فيزياء الجامعة الأردنية، بموضوعها وقيمتها العلمية، مغايرَةً على صعيديّ المبنى والمعنى.
المحاضرة التي نظمتها وحدة الإعلام والعلاقات العامة والثقافية في الجامعة، كجزء من احتفالية الجامعة الأم بيوبيلها الذهبي وعيدها الخمسين، أطلّ ممدوح خلالها على أهم معالم كتاب «التصميم العظيم» لمؤلفه الإنجليزي ستيفن هوكنج المتخصص في الفيزياء النظرية.
ممدوح ترجم شفوياً للطلبة الذين تابعوا المحاضرة، المفاصل الرئيسية في كتاب هوكنج، متوقفاً كثيراً عند «النقطة المتفردة» التي شكّلت كما يرى، ولفترة طويلة، سداً منيعاً أمام أي تقدم في علم الكون، فلقد توصلت الفيزياء من خلال نظرية تمدد الكون ومن خلال النسبية العامة إلى أن الكون قد انبثق قبل 13.7 مليار عام من نقطة بالغة الصغر قدرت بجزء من مليون مليار مليار من حجم النيترون في حادثة دراماتيكية عرفت بالانفجار العظيم، وحققت نظرية الانفجار العظيم نصراً عظيماً في علم الكون، بل أنها أصبحت العمود الفقري لذلك العلم، وتكرست هذه النظرية اليوم في الأوساط العلمية دون أن تنازعها نظريات أخرى.
ورغم أهمية هذا الانتصار المذهل الذي صاغ، بحسب ممدوح، قصة متماسكة للوجود، إلا أن الفيزياء لم تستطع أن تتقدم قيد أنملة إلى ما وراء النقطة المتفردة، ما أبقى سؤال «من أين جاءت هذه النقطة المتفردة؟ واقفاً أمام العلماء كحجر عثرة مادّاً لسانه للعلم والفلسفة والعقل».
التصميم العظيم الذي يقصده هوكنج في كتابه الأخير هو، بحسب ممدوح، القوانين الفيزيائية، القادرة وحدها على إعطاء توصيف علمي دقيق ومتكامل للوجود وظاهراته المختلفة.
وهي الحقيقة التي لم يكن هوكنج، كما يرى ممدوح، بكامل وثوقيّته منها ومن قدرة قوانين الفيزياء على التمشكل مع معضلة البذرة الكونية ومصدرها، عندما نشر قبل ثلاثة عقود كتابه الأول «موجز تاريخ الزمن».
وربما يكون قد اعتقد أن مصدر هذه البذرة ليس إشكالاً فيزيائياً بل إشكال ثيولوجي بحت، «ومع أنني لم أقرأ له أي تصريح يفيد بأن هذه البذرة هي خلق إلهي»، يقول ممدوح، «إلا أنه ربما اعتقد ذلك أيام الشباب، الآن يعود هوكنج للتمشكل مع هذه المعضلة متسلحاً بآليات ومعارف فيزيائية وفلسفية لكي يقول بالفم الملآن أن مصدر البذرة الكونية يحال مجدداً على أجندة الفيزياء».
المحاضرة تطرقت في سياق متصل لمسألة الجسيمات الافتراضية intermediate particles))، ومبدأ عدم الدقة أو اللاتعين، والصفر الكوني، والعدم المطلق والمحض، وظاهرة الكوانتم الفيزيائية المسماة الحالة النفقية (Tunneling) أي الانتقال بدون أي مسار مكاني أو زماني.
وبحسب ممدوح يرى هوكنج في كتابه الجديد أن القوانين الفيزيائية قادرة على تقديم تفسير علمي مكتمل للآليات التي تم وفقها انبثاق الكون وتطوره، وأن الإله منزّه عن الانغماس في الصيرورة المادية للكون.
ويذهب إلى أن التفسير الغيبي للظواهر الكونية والفيزيائية يشكّل هروباً من مواجهة استحقاقات علمية ومنطقية وسببية بين علّة مادية ومعلول مادي. وبرأيه، قد يكون التفسير الغيبي أسهل الحلول، ولكنه «عامل معوّق للعلوم».