سامح المحاريق
.. smahariq@gmail.com

العالم المتقدم والنامي.. شراكة في تحديات جوهرية

الرقميون

زادت الاعتمادية على شبكة الانترنت في السنوات الأخيرة بحيث تحولت إلى واحدة من شروط الحياة الحديثة، فهي تشكل تواجدا كبيرا بين جميع الطبقات في الدول المتقدمة، حيث أصبحت معظم المعاملات تدار من قبل الشبكة الإلكترونية ابتداء من التسجيل في الجامعات ومتابعة معاملات ترخيص السيارات، وصولا إلى حجز غرف الفنادق وحتى تذاكر القطارات،  وفي الدول النامية أخذت النخب الاجتماعية من الناحية الاقتصادية والثقافية تتوجه للإنترنت بصورة متزايدة حيث أصبح جزءا مهما من حياتها، ولكنه لا يمكن أن يبلغ درجة الضرورة كما هو في العالم المتقدم، فكثير من المؤسسات العامة ما زالت تقوم بفتح مواقع إلكترونية ولكن دون أن تضمنها الكثير من الخدمات التي يمكن تنفيذها من خلال الشبكة، في عالمنا العربي، تأخذ الانترنت شكلا مغايرا عن التجربتين السائدتين في الدول المتقدمة والنامية، فالانترنت تحول إلى وسيلة تواصل اجتماعي وسياسي، فمن الناحية الاجتماعية أتت الثقافة المحافظة التي تعيشها المجتمعات العربية، والحواجز التي تقف في أكثر من مجتمع عربي أمام الاختلاط بين الجنسين، لتدفع الشباب والفتيات في سن المراهقة وبدايات الشباب لاعتماد الانترنت كمتنفس عن التواصل المباشر، وهو بذلك يتخذ وسيلة التواصل التخيلي الذي يحكم عادة بشروط أخرى مختلفة عن التواصل الحقيقي، فهذا النوع من التواصل له محاذيره الخاصة، كما أن له لغته المشتركة بين مستخدمي الشبكة، وهي المسألة التي لم يتم دراستها بصورة وافية في العالم العربي، مع ضرورة أن تطرح على الطاولة البحثية خاصة مع تكرر المشكلات التي تنجم عن التواصل الإلكتروني.
سياسيا، أخذ الانترنت يكتسب أهمية كبيرة خاصة في أجواء التراجع في الحريات ابتداء من الممارسة السياسية في بعض الدول العربية المحتكرة من قبل حزب واحد أو طيف سياسي معين، أو ضيق مساحة حريات التعبير، وكان الانترنت وخاصة موقع الفيس بوك، وهو الموقع الذي بدأ استخدامه ترفيهيا بحتا، يتحول إلى أحد أدوات التغيير السياسي في بعض الدول العربية، وكان هذا الموقع تحديدا قبلها يلعب دورا كبيرا أيضا في الولايات المتحدة حيث تشكلت شعبية الرئيس الأمريكي باراك أوباما بصورة كبيرة على أساس قدرة فريقه الرئاسي على التعامل مع تقنيات الشبكة، وتفهم جمهورها الذي يتكون بصورة كبيرة من الشباب، والمفارقة، أن موقع تويتر هو الذي لعب الدور الأهم في فوز الرئيس أوباما بولاية ثانية قبل فترة وجيزة، وكان الرئيس الأمريكي يقوم بإطلاق واحدة من تغريداته تضم صورته مع زوجته فور إعلان فوزه بفترة رئاسية جديدة، وهذه الصورة التي بثها الرئيس أوباما تحولت إلى الأكثر شعبية في تاريخ الإنترنت على الإطلاق.
ولكن على عكس ما يعتقد البعض، فالانترنت ليس وسيلة مطلقة الحرية، وليس فضاءا مفتوحا تماما، فهناك العديد من التقنيات والجهات التي تتابع كل ما يجري على الانترنت، وإذا كانت مسألة التعرف على ما يكنه الناس في صدورهم سابقا شبه مستحيلة، عدا عن أفكارهم الخاصة، فإن الأمر أصبح ممكنا مع الإنترنت، ويمكن ليس فقط قياس التوجهات الاجتماعية من خلال الإنترنت وقياس الإقبال على مواقع معينة أو أخبار ومقالات معينة، لتحديد التوجه العام في أي مجتمع، وإنما يمكن على المستوى الفردي أن يتم رسم صورة شخصية ونفسية كاملة من خلال أرشيف الشخص على الانترنت، ويمكن أن يتم تتبعه فرديا من خلال الإيميلات التي يرسلها أو يتلقاها، والمواقع التي يقوم بزيارتها بصورة منتظمة، والأشخاص الذين يتواصل معهم، والمواد التي يقوم بتحميلها على الشبكة، وحتى جلسات أو غرف الدردشة الإلكترونية التي يرتادها، بمعنى أن أي إنسان يمكن أن يتحول إلى كتاب مفتوح أمام متتبعيه على شبكة الإنترنت، في الوقت الذي يعتقد أنه يتعامل مع جهازه الشخصي بخصوصية بالغة، ولكنه في الحقيقة يخضع للمراقبة بصورة غير مسبوقة.
الكتاب يقدم الوسائل التي تقوم بها بعض الجهات بممارسة الرقابة على الإنترنت وتحديد التوجهات العامة، وذلك من خلال التنقيب في أعداد فلكية من البيانات التي تحفظها الشبكة حول الأفراد والمجموعات، فمنطق الكمبيوتر يقوم على مجموعة من العمليات المعروفة، ويوفر أحجاما خرافية من البيانات، ولكن وسائل فرز وفلترة هذه البيانات متاحة تماما، وليست الحكومات هي من تستفيد من تقنيات تتبع الانترنت، ولكن الشركات التجارية أيضا لها أهداف كبيرة لتحدد ما يريده عملاؤها، ماذا يفضلون، وعن ماذا يبحثون، الاستفسارات على مواقع البحث تبقى محفوظة دائما، ولو كتب مجموعة من الناس أنهم يبحثون عن الشاي الأخضر بطعم الليمون أو البرتقال، فإن الشركات المنتجة للشاي ستعرف ماذا يبحث عنه الناس، وستقدم لهم ما يطلبونه، وتوجد شركات متخصصة في تداول هذه المعلومات، ومن وسط مليارات المعلومات التي يتم تداولها يوميا يمكن أن تقوم أي شركة متخصصة بصياغة التقارير التي تريدها، وتحليلها للوصول إلى النتائج التي تفيد المصالح للشركات أو المجموعات، وحتى الأشخاص يمكن استهدافهم سواء كانوا من المشاهير أو الشخصيات العادية.
الكتاب كما تصفه صحيفة الديلي تلغراف يشتمل على «وصف مثير ومحكم وإيجابي لعالم يخضع للمراقبة وموصول مع شبكة الانترنت، حيث لم تعد الحياة الخاصة خيارا مفتوحا»، ويسجل لمؤلفه ستيفن بايكر وهو الصحفي المتخصص أنه وظف لغة سهلة تحتوي على قدر من التشويق في تقديم الموضوعات التي يتناولها الكتاب، وخاض غمار الإنترنت في الوجه الآخر الذي يغيب كثيرا عن معظم مستخدميه، ويغفلونه تماما أثناء تعاملهم مع الشبكة التي أصبحت شريكة مئات الملايين من البشر.


الإنفجار السكاني والاحتباس الحراري


يطرح الكتاب السؤال المركزي حول التغيرات المناخية التي يشهدها كوكب الأرض، والتي أصبحت ملحوظة لمن عايشوا من حياتهم فترة العشرين أو الثلاثين عاما الأخيرة، حيث بدأت فصول الشتاء تتزايد في حدتها وفي برودتها وأمطارها، حتى تحولت الفياضنات إلى ظواهر اعتيادية في وسائل الإعلام، في الوقت الذي أخذت فيه فصول الصيف تزداد في درجات الحرارة بما يجعلها تشيع شدة الجفاف والتصحر في أقاليم عديدة من الأرض، ويقرر الكتاب أن العلماء مختلفين حول نظريتين أساسيتين، فمنهم من يعزوا هذه التغيرات إلى ظاهرة الاحتباس الحراري التي تتطور نتيجة زيادة مخلفات الصناعة في الدول المتقدمة، وزيادة معدلات التلوث الناتجة عن وسائل المواصلات والتعدي على الغابات في الدول النامية، والفريق  الآخر، يرى أن ما يمر به العالم ليس إلا أحد فصول التغيرات المناخية الدورية التي يمر بها كوكب الأرض من وقت إلى آخر، فالأرض شهدت عصورا جليدية سابقا، كما شهدت فترات لإنحسار البحار أو تمددها، وهذه الدورات هي مسألة طبيعية ويعود التوازن بصورة أخرى بعد عبورها، أو تؤدي إلى وجود تأقلم كبير لدى الكائنات الحية ومنها الإنسان، ولا يبدو أن من يتبنون النظريتين على صواب بصورة كاملة في كل ما يقولونه، كما يظهر بوضوح وجود تحيزات في المقولات العلمية بين الدول النامية التي تحمل العالم المتقدم مسؤولية الاحتباس الحراري نتيجة الصناعات الواسعة، وبين الدول المتقدمة التي تحاول أن تقلل من شأن الانبعاثات الغازية ومخلفات الصناعة على البيئة العالمية.
يربط المؤلف بين الاحتباس الحراري من جهة، والزيادة في معدلات السكان من جهة أخرى، فالمناخ يشهد تحولات جذرية أيضا بسبب تعدي الإنسان على الطبيعة، وهو التعدي الذي تزايدت وتيرته نتيجة تطور التقنيات المستخدمة في القضاء على المساحات الخضراء وخاصة الغابات، وكذلك عدم العناية بالطبيعة في أقاليم تعتبر أساسية في مكافحة ظاهرة التصحر وما تجلبه من تراجع في قدرات الأرض الإنتاجية من المحاصيل وهو الأمر الذي ينذر بالمجاعات في العديد من الدول، خاصة بعد انتشار ظاهرة الوقود الحيوي الذي بدأ يستغل المحاصيل الزراعية لإنتاج الطاقة ومن ثم إعادة بيعها للدول المتقدمة، ويربط الكتاب في فصوله بين الزيادة السكانية والتصحر والتغيرات المناخية بصورة علمية ومتوازنة تناقش أكثر من وجهة نظر.


 معجم التنوير  



الأونكتاد UNCTAD

اختصار المؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية United Nations Conference on Trade and Development وهو أحد الهيئات الدائمة التابعة للأمانة العامة للأمم المتحدة، جرى تأسيسها سنة 1964، ويقع مقرها في جنيف بسويسرا، وتضم في عضويتها حاليا 188 دولة، وتسعى إلى العمل على توسيع أفق التجارة الدولية المتاحة للبلدان النامية، كما أصبحت تقدم الدعم لبعض الدول النامية على الاندماج في منظومة الاقتصاد المعولم، وأخذت هذه الهيئة تهتم بتفعيل دور القطاع الخاص في الدول النامية ورعاية برامج الحكومة أو مبادئ الإدارة المثلى في المؤسسات الحكومية والخاصة في الدول النامية.

إيبيريا Iberia

تعتبر إيبيريا التي تضم حاليا أسبانيا والبرتغال شبه جزيرة من الناحية الجغرافية، قطنتها العديد من الشعوب الأوروبية وغير الأوروبية وذلك نتيجة موقعها الذي يمثل مدخلا لأوروبا، وعدم حصانته الاستراتيجية، وبعدها الجغرافي  الذي يحول دون اندماجها بالكامل في الكتلة الصلبة التي تستوطنها الشعوب الأوروبية القديمة.

إيتا ETA
 
اختصار للعبارة الباسكية Euskadi Ta Askatasuna وتعني وطن  الباسك والحرية، وهي منظمة مسلحة تسعى إلى تحقيق استقلال اقليم الباسك عن أسبانيا وفرنسا، تأسست سنة 1959 وتقوم الحركة بتنفيذ عمليات عسكرية ضد أهداف أسبانية بالدرجة الأولى، وفرنسية بدرجة أقل، أعلنت المنظمة وقفها نهائيا للعمليات العسكرية تجاه المدنيين وتوقفها عن استهداف السياسيين الأسبان والفرنسيين، إلا أنها ما زالت تصنف ضمن المنظمات الإرهابية النشطة وفق تقارير وزارة الخارجية الأمريكية.

الأيديولوجيا Ideology

تعني حرفيا علم الأفكار، وتمثل مجموعة من القيم والتوجهات التي تخص مجموعة معينة من البشر، وتشكل مصدرا لكثير من تصرفاتهم ومواقفهم، تزايد الاهتمام بالأيديولوجيا في العقود الأخيرة ضمن محاولات فهم الطبيعة التي تكون توجهات ومواقف مجموعات بشرية تحمل قواسم فكرية مشتركة مثل أصحاب الديانة الواحدة، أو من يتبنون توجها سياسيا اقتصاديا معينا، مثل الاشتراكية أو الرأسمالية، يبالغ بعض المفكرون في أهمية الأيديولوجيا، ويرون أن كل شيء يقع ضمن الفهم الأيديولوجي ويجب أن يحمل تفسيرا في البنية الفكرية لصاحب الموقف سواء كان فردا أو جماعة من الناس.

الإيرادات العامة Public Revenues
    
مصطلح اقتصادي يرتبط بالمالية العامة ويعني جميع الإيرادات التي تتحصل عليها الدولة من مختلف المصادر الممكنة مثل الضرائب والرسوم الجمركية وعوائدها من الاستثمارات المملوكة لها، وتمثل المصدر الأساسي لتمويل النفقات العامة، ويرى بعض الاقتصاديون أن الايرادات العامة تشتمل على القروض التي تحصل عليها الدولة لتمويل نفقاتها، وإن يكن الأصح أن تعتبر الايرادات المتحققة عن الموارد المتاحة للدولة وممارسة الدولة لوظائفها السيادية، بينما تستعمل القروض لتغطية الجزء المتبقي من النفقات في حالة لم تكن الايرادات العامة قادرة على تغطية جميع النفقات، سواء كان ذلك لفترات قصيرة أو طويلة المدى.

البابا The Pope

مصطلح يطلق على رأس الكنيسة الكاثوليكية الرئيسية في العالم والواقعة في مدينة روما، ويعتبر مرجعا للمسيحيين الكاثوليك في العالم، وينزهونه عن الخطأ ويمكنه أن يصدر الفتاوى الدينية في أمور العقيدة وتسري على أتباعه الدينيين، امتلك تأثيرا واسعا في العصور الوسطى حيث لم يكن لأي من الملوك أن يتخذ قرارا يتعارض مع رغبات البابا، وكان يجب لتطويب أي ملك في أوروبا أن يحظى بمباركة البابا، إلا أن التوسع في الحركة البروتستانتية و التطورات التي شهدتها أوروبا في عصر النهضة أديا إلى تراجع سلطته بصورة كبيرة، وإن يكن يحظى بشعبية كبيرة في بعض الدول الكاثوليكية التقليدية مثل دول أمريكا اللاتينية، تعتبر الطوائف المسيحية الأخرى كالأرثوذكس والبروتستانت بمثابة الشخصية الرمزية التي تحظى باحترامهم دون أن تحمل سلطة ملزمة دينيا وعقائديا تجاههم.
لا يجوز عزل البابا وإن جرت بعض الحالات في العصور الوسطى لعزل بعض الباباوات ونقل مقر الكنيسة الكاثوليكية من روما إلى مدينة أفينيون في جنوب فرنسا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر ميلادي، ويتم اختيار البابا الجديد بعد وفاة البابا السابق من بين الأساقفة الذين حملوا صفة الكاردينال، حيث يتوافد الكرادلة من مختلف أنحاء العالم ويتم عقد جلسة سرية لاختيار المرشحين من بين الكرادلة الذين لم يبلغوا الثمانين عاما، ويحتاج البابا للحصول على ثلثي أصوات المجتمعين، فإن فشل مجمع الكرادلة في ذلك يقوم بإحراق الأوراق ليخرج الدخان الأسود بما يعني جولة أخرى من الانتخاب، ويتم تقليل عدد المتنافسين على المنصب مع كل جولة حتى الوصول إلى البابا الجديد، البابا الحالي بندكت السادس عشر هو الخامس والستون بعد المائة في سلسلة باباوات روما التي تبدأ بالقديس بطرس أحد حواريي السيد المسيح.
يعتبر البابا بجانب منصبه الديني رأس دولة الفاتيكان المستقلة التي تعتبر من الدول المؤثرة في العالم بسبب قيمتها الرمزية على الرغم من من صغر حجمها (0,44 كلم مربع، الأصغر في العالم)  وقلة عدد سكانها حوالي 800 شخص، الأقل عالميا، وهم فقط أعضاء السلك الكهنوتي والحرس وبعض الوظائف المساندة في الفاتيكان، وتقع الفاتيكان داخل العاصمة الإيطالية روما.


الباب العالي
 The Sublime Porte

مصطلح عثماني يشير إلى مقر الحكومة العثمانية أو الحكومة العلية في مدينة اسطنبول التركية التي كانت عاصمة الإمبراطورية العثمانية، وكانت تعتبر مقرا للصدر الأعظم الذي يعادل منصب رئيس الوزراء في التنظيم الحديث، ويحضر مصطلح الباب العالي في الأدبيات السياسية العربية، فعلى الرغم من بعض الاستقلالية التي حظيت بعض الأقاليم بها مثل مصر والجزائر، إلا أن موافقة الباب العالي، وإن كانت شكلية، على القرارات المهمة والتعيينات العليا في الأقاليم التابعة للإمبراطورية العثمانية كانت مسألة ضرورية.
كان الباب العالي يطلق أولا على مقر السلطان، إلا أن انتقال السراي الحكومي إلى نفس المبنى جعل الاسم يطلق على مقر الحكومة وليس مقر السلطان، حيث أن الاسم يتربط بارتفاع الباب الذي يخص مقر الحكومة وليس تعبيرا عن سلطته الواسعة التي كانت تتبع لها أقاليم تمتد من أواسط آسيا وحتى المغرب العربي، بالإضافة إلى السيطرة على جزء كبير من شرق أوروبا واليونان ودول البلقان في ذروة ازدهار الامبراطورية العثمانية.

السوريالية


 لا يمكن أن تعتبر حركة عابرة في تاريخ الأدب والفن، فهي تحولت مع الوقت إلى طريقة حياة، وحتى لو لم يكن من يمارسون طريقة الإبداع السوريالية يدركون الشروط الموضوعية والنظرية التي ترتبط بإبداعهم، فإنهم يقومون بذلك لوجود أرضية خصبة للتفكير السوريالي تولدت في النصف الأول من القرن العشرين، وترافقت الحركة السوريالية مع العديد من الحركات التي قصدت إحداث التمرد والثورة في الفن، ولعل ذلك كان تعبيرا عن الرغبة في تحقيق الإنفلات من القيود التي وضعت أمام الحركات الفنية والأدبية في القرن التاسع عشر، وكذلك وظفت الحركات النازية والفاشية والمجتمعات الشمولية الفن لمصلحتها وحاولت أن تحتكره وفق طريقتها الخاصة، فكانت السوريالية بالتالي هي الحركة الأوسع صدى وانتشارا في تلك المرحلة، حيث أنها اعتمدت على انتقاد ومهاجمة المؤسسات القائمة على أكثر من محور وفي أكثر من ساحة، فهي لم تقتصر على الكتابة الإبداعية سواء في الشعر أو النثر، وإنما فرضت نفسها في الفنون البصرية مثل الرسم والنحت، وفي الموسيقى، والسينما، كما أنها لم تقتصر على الوعي والمساحات التي تناولها النقد التقليدي، وإنما سحبت العملية الإبداعية لما هو وراء الوعي والواقع، أو فوقه.
اعتمدت السوريالية على أدوات عديدة، فهي تعتمد على الدعابة أو السخرية من العالم، وتقاليده القائمة، وتبحث عن كل ما هو عجائبي وغير متسق مع الذوق العام أو الشائع، وكذلك تبحث في أوراق الجنون وتعتبره تجربة جديرة بالاهتمام وليس التعالي أو الإنكار، وفي الوقت ذاته، تركز على الحلم، بوصفه الينبوع السري داخل كل إنسان، وبدت السوريالية بوصفها أحيانا تسجيل للأحلام الغرائبية والكوابيس الثقيلة، كانت تضمن في أسلوب الكتابة الآلية التي لا تتقيد بالقواعد المتعارف عليها، وكانت تعتبر الخروج على هذه القواعد، أو حتى اقتراف الأخطاء الواضحة الصريحة جزءا من العملية الإبداعية التي يجب أن تحظى بالاهتمام، وأصبحت الحوارات التي تدور مع النفس وداخلها جزءا من العمل الفني، فلم تختفي في البروفات والمسودات وإنما تقدمت للواجهة، فالإنسان وهمومه هو مركز الاهتمام لدى السورياليين، والإنسان المأزوم في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية كان هو المستهدف أساسا من هذه الحركة، التي بقيت تؤثر في أشكال التعبير المختلفة، وإن تراجعت كتوجه فني وأدبي مستقل.