* ناجح حسن
 
جاءت نتائج لجان تحكيم الدورة السادسة لمهرجان أبوظبي السينمائي التي اسدلت الستار على فعالياته يوم الجمعة الماضية، ضمن التوقعات بعيدا عن المفاجات الصادمة، وذلك نظرا لاختيارات القائمين على المهرجان الصائبة في الانتقاء والبرمجة من ناحية توزيعها على ثلاث مسابقات رئيسية دارت في فضاءات صناعة الافلام الخليجية والعربية والدولية .

 اللؤلؤة السوداء
وشكل تتويج الفيلم الروائي الطويل التركي (أراف) أو أعراف لمخرجته ييشيم أوسطا أوغلو بجائزة المهرجان الكبرى المسماة (اللؤلؤة السوداء) اصداء ايجابية  لدى صناع السينما العالمية والعربية من مخرجين ومنتجين وممثلين ونقّاد، بالإضافة إلى عشاق الفن السابع، الذي عد بنظر اغلبيتهم إضافة نوعية لهذا المهرجان ولفن السينما عموما .
يتناول فيلم (اعراف) الذي انجز بتمويل فرنسي والماني وهو يستمد عنوانه من  كلمة تعني المكان بين الجنة والنار، تطلعات الشباب التركي البسيط الحالم في البحث عن موعد مع السعادة بعد طول تجارب مريرة في الفشل وقسوة الحياة.
وترصد كاميرا المخرجة الشابة عينات من واقع هذه الشريحة الاجتماعية بمدلولات فطنة في اذكاء التفاصيل وبث الحرارة والحيوية في انفلاتها بعلاقات عابرة تحفل بمشاعر وأحاسيس متضاربة .
تنسج اوغلو من جملة شخصيات الفيلم الموزعة على قصة رئيسية مزنرة بقصص فرعية الوانا من المسارات التي تختبر فيها ببلاغة واقتصاد رؤى وافكار تكشف عن مألات واخلاق شريحة تجري خلف تطلعات اشبه بالسراب داخل بوتقة اجتماعية مثقلة بهموم الواقع ومعاناته فضلا عن غموض وضياع وقتامة المستقبل.
عاينت كاميرا المخرجة التي سبق لها ان قدمت للسينما التركية اكثر من عمل لافت: (بانتظار الغيوم)، (رحلة إلى الشمس)، (الأثر(، )الثنائي) و فيلم (صندوق بندورة) الحائز على العديد من الجوائز السينمائية الدولية، كل ذلك باسلوبية جمالية فطنة ممتعة تحتشد بزوايا وتكوينات المكان في تناغم مع حراك الشخصيات الذين احكمت ادارتهم بحرفية عالية المستوى.

الظل والنور
وذهبت جائزة لجنة التحكيم الخاصة الى الفيلم البرتغالي (جيبو والظل) إخراج مانويل دي اوليفييرا البالغ من العمر المائة واربع سنوات ! والذي يأبى ان يتوقف عن العمل رغم ما يحمله من عمر مثقل بهذا العدد من السنين ، ليس هذا فحسب بل ان الفيلم جاء وكانه جملة من اللوحات التشكيلية التي تتدرج فيها توزيعات الظل والنور.
(جيبو والظل) هو الفيلم التاسع والخمسون في مسيرة مخرجه الطويلة ، حيث يسرد من خلاله قصة حول الفقر والبؤس والكرامة الانسانية في حياة محاسب فقير عاش ومات امينا لمبادئه في النزاهة والاخلاص في العمل، وهي مأخوذة عن عمل مسرحي للكاتب البرتغالي راؤؤل براندو ، وتسري وقائع احداثها ابان بدايات العقد الفائت تكاد تقترب من العام الذي ابصر فيه المخرج النور 1908 ، لكنه وضع فيها خلاصة تجربته في الالهام البصري، واختار كل من النجمتين الشهيرتين جينا لولو بريجيدا وجان مورو شخصيتين رئيسيتين ضمن سريان احداث الفيلم التي تزخر بالمشهديات البديعة.
  وحصل المخرج التونسي نوري بوزيد على جائزة أفضل مخرج من العالم العربي، وهي جائزة استحدثتها لجنة تحكيم مسابقة الافلام الروائية الطويلة، ترأستها الممثلة الهندية شابانا عزمي ضمت في عضويتها اليوغسلافي شيدومير كولار والناقد المصري سمير فريد والممثلة والمخرجة الايرانية نيكي كريمي والمخرج المغربي إسماعيل فروخي، نظرا لتجربة بو زيد  المثمرة في حقل السينما التونسية والعربية الجديدة عموما.
شارك المخرج بو زيد في المسابقة بفيلم (ما نموتش) الذي صور فيه تداعيات التحولات السياسية الجديدة في تونس على علاقات الافراد والاسر الاخذة في الامتداد الى المجتمع باسره، وذلك من خلال حكاية شابتين تكافحان للحصول على الحرية.
ينجح بوزيد في تصوير التكاتف بين الشابتين في الرفض والتنازل عن حقهما باختياراتهما في العيش والحياة رغم كل تلك التحديات والقيود التي بدأت قوى جديدة في فرضها على سلوكهما اليومي في اللباس والعمل رغم مكابداتهما لسائر اشكال الزجر والتهديد وبث مشاعر القلق والتوتير وهو ما صورته كامير بوزيد بمهارة تتناغم مع ذلك الاداء الفطن لطاقم ممثليه، حيث تجرأ هو ذاته بتقديم اكثر من مشهد بدت كفواصل بين ثنايا الفيلم صورته كعازف اكورديون ضرير ومشرد تنتهي به الحياة على الرصيف ثم تجري طقوس تكفينه .

 ثلاثية لا
وظفر الممثل المكسيكي غايل غارسيا بيرنال جائزة أفضل عن دوره بالفيلم التشيلي المعنون (لا) إخراج الشاب بابنو لارين مواليد العام 1976 والذي يعتبر الجزء الاخير من ثلاثيته السينمائية التي اراد فيها تعرية فترة حكم الجنرال بينو شيه لتشيلي في حقبة عقد السبعينات من القرن الفائت، التي جاءت بانقلاب على حكومة الليندى بعد فوزه فى الانتخابات العام 1973.
ويتناول الفيلم الذي امتزج بالمشاهد التسجيلية والمشاهد التمثيلية التي من الصعب الفصل بينهما، لحظة سقوط بينو شيه في استفتاء تاريخي من خلال تصويره لمخرج إعلانات دينية يقوم بدوره الممثل بيرنال، الذى يقوم بإخراج وتصاميم إعلانات حملة (لا) وكان له دور مؤثر فى هزيمة  بينو شيه حين لجأ إلى أسلوب مبتكر فى الدعاية ومغاير للمألوف .
وكانت جائزة افضل ممثلة للألمانية فرانزيسكا بيتري عن ادائها المتميز بالفيلم الروسي (خيانة) الذي وقعه المخرج كيريل سيربيرنكوف، وهو دور طبيبة يتختلط فيها لحظات الحب والشغف والخيانة خلال فحص اعتيادي للقلب تقوم به الطبيبة بيتري لمريض له نفس معاناتها.
تتضمن احداث الفيلم المستمدة عن نص مسرحي الكثير من اللقيات الابداعية التسي يجري توظيفها بفاعلية وحيوية خلال لحظات البوح والمكاشفة، ويلفت في الفيلم ذلك الاجتهاد في تصوير انعدام المعايير الاخلاقية في المجتمع وانعكاساتها لدى افراد اشبه بالمجرمين وهم بانتظار نافذة امل.     
ونال فيلم (عائلة محترمة) للمخرج الايراني مسعود بخشي الذي انجزه بتمويل فرنسي جائزة اللؤلؤة السوداء في مسابقة آفاق جديدة التي تمنح عادة للعمل الاول او الثاني للمخرج وفسرت لجنة تحكيم المسابقة منح هذا الفيلم الجائزة بسبب النهج الجديد المستخدم في دمج الخيال مع الواقع الحالي.
افاق جديدة
يغرف الفيلم احداثه من واقعية شديدة الالتصاق بما عرف عن مخرجه من التزام بمباديء السينما التسجيلية، حيث اختار احداثا عاشتها ايران ابان قبل اعوام حين بدات الاصوات تعلو بالمناداة بفتح افاق جديدة من الحرية من خلال عودة اكاديمي مقيم في اوروبا منذ عقدين الى التدريس في وطنه لكنه يصطدم بالعديد من الاراء والافكار السائدة وهو ما يجعل منه مراجعة ماضيه الذي يقرأ فيه محطات سياسية مهمة شهدتها ايران والمنطقة عموما.
يطرح مسعود بخشي رؤية درامية بتناغم مع اشتغالاته البصرية بذكاء بعيدا عن فخاخ المباشرة والشعارات المعتادة بهذا النوع من الافلام فهو يركز على مفردة الذاكرة رغم غنى وثراء الاحداث السياسية التي ظلت عائلته شاهدة وفاعلة على الكثير منها.
احاط الفيلم الاميركي (وحوش البرية الجنوبية) إخراج بين زيتلين الحائز على جائزة لجنة التحكيم الخاصة بالعديد من مهارات عناصر اللغة السينمائيةوهو الذي ظفر قبل شهور جائزة الكاميرا الذهبية في مهرجان (كان) السينمائي فضلا عن جائزة صندانس للسينما المستقلة حيث يتناول فيه المخرج رعب ما تنطوي عليه الارض من مصير مدمر حين ترتفع درجة الحرارة الى حدود غير مالوفة الامر الذي يؤدي الى ذوبان الجليد .

البراري الاميركية
اختار الفيلم احداثه في البراري الاميركية لتكون نقطة انطلاق الكارثة المدوية من خلال عيني طفلة وهي تعاين هذا التحول البيئي الذي سيقضي على مظاهر الحياة لكوكب الارض، ولا يأبه الفيلم بمعالجته المبتكرة الى تقديم لحظات من التشويق او بث الرعب لدى المتلقي، بقدر ما يبحث عن مصائر وتغيير انماط سلوك مغعمة بالايمان العميق والبراءة الممتزجة بمخيلة خصبة اثرت قيمته الفكرية ومنحته جاذبية وفرادة .  
تناول فيلم (لما شفتك) لان ماري جاسر الذي ظفر بجائزة افضل فيلم عربي موضوع المخيمات الفلسطينية التي اقيمت عقب حرب العام 1967 وحق قاطنيها بالعودة، من خلال تتبع سلوكيات فتى صغير يرفض المكوث في المخيم ويعمل بكل طاقته من اجل ان يعود الى بيته الذي شردهم منه الاحتلال الاسرائيلي، حيث ما زال مصير والده غير معروف.
يستعيد الفيلم الذي صور في العديد من ارجاء المملكة تفاصيل المخيم بتلك الفترة حيث البؤس والضياع والتشرد لكن دون ان تعدم بث الامل وعزف نشيد الحياة في تالف تفاصيل اليومي المعاش، في تركيز على التعاضد والتضامن الانساني.
حيدت المخرجة الفيلم الذي انتج بدعم من مؤسسة خالد شومان (دارة الفنون) بعمان والعديد من شركات الانتاج الاردنية الفلسطينية الاماراتية المشتركة، عن الغرق في فخاخ الفولكلور او الخطابات الزاعقة.
 من هنا بدا (لما شفتك) العمل الثاني لمخرجته عقب فيلمها الاول المسمى (ملح هذا البحر)، رغم تلك بساطته وهنات نصه وبنيته الدرامية، عملا شديد الطموح مفتوح على فضاءات رحبة من الواقع الممتزج بشاعرية الحلم .
منحت لجنة تحكيم المهرجان جائزة أفضل مخرج عربي الى المخرجة المصرية هالة لطفي عن فيلمها (الخروج للنهار ) لأناقة وتَميز الناحية البصرية المغايرة للأسلوبية السائدة في السينما العربية والسينما المصرية تحديدا، فيما قدمت اللجنة تنويها خاصا للفيلم الدانماركي (اختطاف) إخراج توبايس لندهولم، بسبب الاختيارات الرائعة والمواهب القوية في السيناريو البارع والمتقن الذي استطاع الفيلم ابرازه على الشاشة السينمائية.
ضمت لجنة تحكيم مسابقة آفاق جديدة كل من الفرنسية فرانسواز بونو رئيسا للجنة ، وعضوية الايطالي جورجيو جوسيتي، والسيرلانكي فيموكثي جاياسوندارا، والعراقي محمد الدراجي، والاماراتي نواف الجناحي.