حسن نافعة  - كان لافتا للنظر قرار النائب العام، المستشار عبدالمجيد محمود، إحالة البلاغات المقدمة ضد كل من المشير طنطاوى، وزير الدفاع السابق، رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، والفريق سامى عنان، رئيس الأركان، إلى النيابة العسكرية. ولأن عددا من هذه البلاغات، التى ذكرت وسائل الإعلام أن عددها لا يقل عن ثلاثين، كان قد قدم للنائب العام منذ شهور، فمن الطبيعى أن يثير توقيت «تحريكها» الآن انتباه الرأى العام، وأن يترقب بلهفة شكل الخطوات التالية. إذ يتساءل كثيرون عما إذا كان سيعقب هذه «الإحالة» اتخاذ خطوات جادة للتحقق مما ورد فى هذه البلاغات من اتهامات، تمهيدا لإحالة من تثبت التحقيقات تورطهم إلى محاكمة عادلة.
الاتهامات الموجهة للمشير طنطاوى، التى تدور حول مسؤوليته عن قتل وجرح المتظاهرين، هى فى جوهرها اتهامات «سياسية» تتعلق بطريقته فى - ومسؤوليته عن - إدارة المرحلة الانتقالية. أما الاتهامات الموجهة للفريق سامى عنان فتشمل، بالإضافة إلى ذلك، اتهامات أخرى تتعلق بالذمة المالية. فقد ورد فى أحد البلاغات المقدمة أن الفريق عنان استغل منصبه لتحقيق «كسب غير مشروع» وحصل فى يوم 21 فبراير عام 2010 على قطعتى أرض، مساحة إحداهما 561.74 متر والأخرى 976.44 متر، أضيفتا إلى قطع أخرى كان قد حصل عليها من قبل وبنى عليها لنفسه ولأولاده مجموعة من «القصور» فى التجمع الخامس. ولأن إزاحة المجلس العسكرى جرت فى ظروف مريبة، أقل ما يقال فيها إنها تفتقر إلى الشفافية، فليس بوسع أحد أن يضمن للعدل أن يأخذ مجراه.
يسهل على النيابة العسكرية أن تتخذ قرارا بحفظ البلاغات المحالة إليها من النائب العام بعد القيام بتحقيقات شكلية، قد لا تتضمن استدعاء المتهمين أو حتى مجرد توجيه أسئلة لهم عبر وسائل الاتصال المختلفة، وهو ما يتوقعه أغلب المراقبين. لكن ذلك، إن حدث، سيعمق شكوكا قائمة، وسيفتح باب الجدل من جديد حول حقيقة الأسباب التى دفعت بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة، بقيادة المشير طنطاوى، حين كان يجمع فى يديه بين سلطتى التنفيذ والتشريع فى بداية المرحلة الانتقالية، لإضافة مادة جديدة إلى قانون القضاء العسكرى، نشرت فى الجريدة الرسمية بتاريخ ١٠ مايو 2011، تجعل من القضاء العسكرى جهة الاختصاص الوحيدة بالفصل فى جرائم الكسب غير المشروع التى يرتكبها ضباط القوات المسلحة «حتى ولو لم يبدأ التحقيق فيها إلا بعد تقاعدهم». ولأن قانون القضاء العسكرى كان يتعامل من قبل مع الضباط المحالين للتقاعد باعتبارهم مدنيين، ومن ثم لا يخضعون لأحكامه، فقد كان من شأن إقدام المجلس العسكرى على استغلال سلطته التشريعية فى ظروف استثنائية لإدراج مادة مريبة ومثيرة للشبهات كهذه أن يشكك فى حد ذاته ليس فقط فى الذمة المالية لكبار ضباط كان النظام السابق قد انتقاهم بعناية، وإنما أيضا فى نزاهة واستقلالية القضاء العسكرى بأوضاعه الراهنة التى باتت تحتاج إلى إصلاح جوهرى.
يبدو أن هذه القضية باتت فى طريقها للتحول إلى كرة من لهب يحاول كل طرف إبعادها عنه، ولأن رئيس الدولة، الذى كرم المشير والفريق ومنحهما أعلى الأوسمة وعينهما مستشارين له لاعتبارات سياسية محضة، كان عليه أن يثبت فى الوقت نفسه أنه كان يعنى ما يقول حين صرح مؤكدا: «لا أحد فوق القانون، وكل من تثبت مسؤوليته عن قتل أو جرح المتظاهرين أو نهب المال العام سيحاكم وسينال عقابه». وللخروج من هذا المأزق لم يجد رئيس الدولة أمامه سوى أن يلقى بكرة اللهب المشتعلة على النائب العام، وهو من رموز النظام السابق، الذى ألقاها بدوره على المدعى العسكرى، لتستقر فى النهاية على ما يبدو فى ملعب وزير الدفاع. ولأنها قضية شديدة الحساسية يتعين على جميع الأطراف أن يتعاملوا معها بأقصى قدر من الكياسة، ولكن بجدية أيضا، بعيدا عن دوافع التشفى أو الانتقام وتصفية الحسابات.
ما يهم الشعب فى المقام الأول هو أن يعرف بالضبط من المتسبب فى أحداث ماسبيرو ومجلس الشعب ومحمد محمود، وغيرها من الأحداث التى سالت فيها دون سبب واضح ودون مبرر دماء غزيرة وأصيب فيها العشرات بالعمى وبعاهات مستديمة، وأن يستعيد ثرواته المنهوبة، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بعدم تكرار ما جرى. أما رئيس الدولة فبوسعه - إن أراد - أن يعفو عمن يشاء ممن تثبت إدانتهم إذا ما اقتضت ذلك ضرورات تتطلبها دواعٍ تتعلق باستقرار الوطن وتفرغ أبنائه لبناء المستقبل

«المصري اليوم»